هل نحن نتزوج أم نتكاثر؟

ليلى زهيري

في زحام الحياة الحديثة والركض اليومي خلف التكاليف والمظاهر، يفرض هذا السؤال نفسه بقوة على العقل الجمعي: هل نعيش الزواج كعلاقة إنسانية ناضجة قائمة على السكن والمودة، أم أننا ننقاد وراء غريزة بيولوجية واجتماعية مجردة هدفها الوحيد التكاثر واستمرار النسل؟

لقد تحول الزواج في كثير من الأحيان من “شراكة روحية وفكرية” تهدف إلى بناء بيئة آمنة ينمو فيها الطرفان، إلى “واجب تنفيذي” يبدأ بحفل ضخم ويُقاس نجاحه فوراً بعدد الأطفال وسرعة إنجابهم.

1. الفرق بين “السكن” و”المأوى”

الزواج في أصله الإنساني والروحي قائم على فلسفة “السكن”؛ أي أن يجد كل طرف في الآخر ملاذاً عاطفياً، ومساحة للتفاهم، وسنداً لمواجهة أزمات الحياة. لكن الواقع يظهر أن كثيراً من البيوت أصبحت مجرد “ملاجئ ومأوى”؛ يجتمع فيها أفراد تحت سقف واحد لتأمين المأكل والمشرب والملبس، دون أن تجمعهم لغة حوار أو اهتمامات مشتركة أو دفء عاطفي.

حين يغيب الحب والانسجام الفكري، يغدو الزواج مجرد إطار شكلي لإضفاء الشرعية على التكاثر البيولوجي، وتتحول الأسرة من مشتل لبناء الشخصيات إلى مصنع لإنجاب الأفراد.

2. التكاثر الكمي مقابل التربية النوعية

التكاثر في ذاته سنة طبيعية وضرورة لاستمرار البشرية، لكن المشكلة تكمن في الانفصال بين التكاثر والتربية.

  • المفهوم السطحي: يرى الإنجاب غاية في حد ذاته، ومقياساً للرجولة والأنوثة أو وسيلة لإرضاء المجتمع وتجنب كلام الناس.
  • المفهوم العميق: يرى الإنجاب مسؤولية أخلاقية ونفسية كبرى تتطلب جاهزية الزوجين لتنشئة إنسان سوي، واعي، وقادر على التأثير الإيجابي في مجتمعه.

إن ضخ أعداد جديدة من الأطفال إلى العالم دون توفير بيئة استقرار نفسي، وتوجيه فكري، ورعاية واعية، يعكس حالة من “التكاثر الآلي” التي ترهق الأبناء وتفرغ مؤسسة الزواج من مضمونها السامي.

3. ضغط العادات والبرمجة الاجتماعية

كثيراً ما يُدفع الشباب والفتيات إلى حلبة الزواج تحت تأثير البرمجة المجتمعية؛ “لأن هذا هو السن المناسب”، أو “لأن الركب سيفوت”. يُقبِل الفرد على الزواج وهو لا يعرف ماذا يريد من الشريك، ولا كيف يدير الخلافات، ولا كيف يبني علاقة مستدامة. وفور عقد القران، يبدأ الضغط الاجتماعي المباشر: “متى نفرح بأولادكم؟”.

هذا التسلسل الالي يجعل الأفراد يتحركون كأنهم في خط إنتاج؛ يتزوجون لأن الجميع يتزوج، وينجبون لأن الجميع ينجب، دون توقف للتفكر في جودة الحياة التي يؤسونها.

إعادة الاعتبار لجوهر الزواج

إن الإجابة عن سؤال: “هل نحن نتزوج أم نتكاثر؟” تتطلب شجاعة ومكاشفة ذاتية. فالزواج الناجح ليس ذاك الذي يُقاس بضخامة الأعراس ولا بعدد الأبناء، بل بمدى التفاهم، والاحترام، والنضج الذي يستشعر الزوجان وجوده، والذي ينعكس بالضرورة على صحة أبنائهم النفسية والسلوكية.

حين ندرك أن الزواج هو بناء للإنسان قبل أن يكون زيادة للأعداد، سنتوقف عن التكاثر العشوائي، ونبدأ في صناعة أسر متماسكة تشكل إضافة حقيقية وإيجابية للمجتمع.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك