حين تتحول المقدسات إلى سلع في عصر السيولة

توفيق حسون

تشهد الثقافة الإنسانية المعاصرة تحولات عميقة ومقلقة، تطال البنى الفكرية والروحية التي لطالما شكلت عماد الحضارة البشرية. فمع تسارع عجلة الحداثة المتأخرة وهيمنة النزعة الاستهلاكية المادية على مختلف مناحي الحياة، وجد الإنسان نفسه في عالم تحولت فيه جلّ القيم والمقدسات إلى مجرد سلع خاضعة لمنطق العرض والطلب وقواعد السوق.

تسليع المقدس: حين يفقد الدين والفن جوهرهما

لم يعد الدين في هذا السياق التجاري الجارف مجرد تجربة روحية عميقة ترتقي بالأخلاق وتمنح الوجود الإنساني أبعاده الكبرى، بل تحول أحياناً في الممارسات المعاصرة إلى واجهات استهلاكية أو خطابات تُدار بلغة الربح والخسارة. وبالمثل، تعرض الفن والأدب – اللذان مثلاً عبر التاريخ ملاذاً للجمال والحرية والسمو الروحي – إلى عملية إفراغ ممنهجة من محتواهما الأصيل؛ فأصبحت الأعمال الفنية والادبية تقاس بمدى نجاحها التجاري وقدرتها على تحقيق العوائد المالية السريعة، لا بمدق عمقها الإنساني أو جمالياتها التعبيرية.

أزمة المعيار والهوية في العالم المعاصر

إن سيطرة النزعة المادية البحتة على منظومة القيم أدت إلى حالة من السيولة الفكرية، حيث تتهاوى الثوابت وتتراجع الأدوار التقليدية للمؤسسات الثقافية والأخلاقية. هذا الانجراف نحو إخضاع كل شيء لمعيار النفعية والمادية يترك الإنسان المعاصر في حالة من الاغتراب الروح والنفسي، باحثاً عن معنى وسط ركام من الاستهلاك المفرط والأشكال الثقافية العابرة.

في مواجهة هذا المدّ الاستهلاكي الذي يهدد بتحويل الوجود البشرى إلى مجرد أرقام وصفقات، تبرز الحاجة الملحة لإعادة الاعتبار للقيم الروحية والفنية والأدبية بمعناها الأصيل، بوصفها الحصن الأخير الذي يحمي الهوية الإنسانية ويحفظ للإنسان توازنه وبصيرته في عالم يزداد ضجيجاً وفقداناً للمعنى.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك