المرض النفسي الذي لا يصيب إلا الزعماء والقادة

أمجد عثمان

في أروقة التاريخ المعتمة وقصور الحكم الفارهة، لم تكن السياسة يوماً مجرد إدارة للمصالح أو صياغة للقرارات، بل كانت أيضاً ساحة صامتة لواحد من أغرب الاضطرابات النفسية وأكثرها تدميراً. إنه مرض لا تجده في أزقة الناس العاديين، ولا يُصيب الموظفين أو العمال البسيطين، بل ينتظر ضحاياه حصراً في أعلى قمم السلطة والنفوذ.

يُعرف هذا الاضطراب في الأدبيات النفسية والسياسية الحديثة بـ “متلازمة الغطرسة” (Hubris Syndrome)، أو ما يُطلق عليه أحياناً “جنون العظمة السلطوي”، وهو الاعتلال النفسي الذي ينبت في بيئة النفوذ المطلق، ويتغذى على التصفيق، ويثمر قتلاً وتدميراً وقرارات كارثية تكسر كاهل الأمم.

أولاً: ما هي “متلازمة الغطرسة”؟ وكيف تنشأ؟

ليست متلازمة الغطرسة مجرد “غرور” عابر أو كبرياء شخصي، بل هي تحول نسيجي في بناء الشخصية وطريقة معالجة الدماغ للمعلومات والواقع. صاغ هذا المصطلح طبيب الأعصاب والوزير البريطاني السابق ديفيد أوين (David Owen) رفقة الباحث النفسي جوناثان جونسون، واصفين إياه بأنه اضطراب يصيب الأشخاص الذين يمتلكون سلطة ونفوذاً هائلين لسنوات طويلة دون وجود رقابة أو محاسبة قوية.

إن السمة الفريدة لهذا المرض هي أنه مرض مكتسب ومقترن بالمنصب؛ فالزعيم قد يدخل مكتبه شخصاً متوازناً وعقلانياً، لكن البقاء في السلطة لفترة طويلة، محاطاً بحاشية من المداهنين والمطبلين، يؤدي إلى استثارة خلايا هذا الاضطراب تدريجياً حتى يتملك من صاحبه بالكامل.

ثانياً: الأعراض السريرية للزعيم المصاب بالمتلازمة

تتحدد شخصية القائد المصاب بهذه المتلازمة عبر مجموعة من الأعراض النفسية والسلوكية الصارمة، أبرزها:

  1. التماهي المطلق مع الدولة أو الأمة: يرتقي الزعيم بنفسه ليعتقد أنه هو الدولة، وأن مصالحه الشخصية ورغباته هي عين مصلحة الوطن، وتصبح العبارة التاريخية “أنا الدولة، والدولة أنا” هي عقيدته الضمنية.
  2. ازدراء النقد واحتقار المعارضة: يرى أي رأي مخالف ليس مجرد وجهة نظر، بل خيانة عظمى أو جهلاً مطلقاً لا يستحق النقاش.
  3. الثقة المفرطة بالحكم الشخصي: يعتقد الحاكم أنه يمتلك نظرة ثاقبة لا تخطئ، وأن آراء الخبراء والعلماء والمستشارين ليست إلا ثرثرة لا قيمة لها مقارنة بـ “إلهامه الذاتي”.
  4. الانفصال التام عن الواقع (العزلة الذهنية): يعيش القائد في فقاعة زجاجية من التقارير المضللة والثناء الزائف، مما يجعله عاجزاً عن قراءة المعاناة الحقيقية لشعبه أو استيعاب حجم المخاطر الاقتصادية والسياسية المفروضة.
  5. المحاكمة أمام “التاريخ” لا البشر: يترفع الزعيم المصاب بالغطرسة عن المحاسبة أمام القضاء أو الشعب، مبرراً قراراته بأنه مسؤول فقط أمام “التاريخ” أو “السماء”، وهو ما يمنحه ترخيصاً نفسياً لارتكاب أبشع الأخطاء دون ندم.

ثالثاً: التشريح النفسي.. لماذا يُصيب الزعماء فقط؟

الجواب يكمن في سيكولوجية السلطة المطلقة. تفرز السلطة في دماغ القائد تركيزات عالية من النواقل العصبية (كالدوبامين) المرتبطة بالشعور بالمكافأة والقوة، ومع غياب الرادع أو المحاسبة، يقل نشاط المناطق الدماغية المسؤولة عن “التعاطف” وفهم مشاعر الآخرين (شبكة التفكير الاجتماعي).

علاوة على ذلك، يخلق النفوذ هالة تصنع للمسؤول جداراً حازماً يمنع عنه الصدمات الحقيقية؛ فلا أحد يجرؤ على قول “لا” للزعيم، ولا أحد يخبره بأن خططه فشلت. هذا الغياب القاتل للتغذية الراجعة (Feedback) يجعل عقل القائد يصنع واقعاً موازياً يبنيه على أوهامه الخاصة فقط.

رابعاً: عواقب المتلازمة على الشعوب والدول

إن تاريخ العالم مليء بالأمثلة الحية لقادة وزعماء وقادة جيوش أطاحت بهم متلازمة الغطرسة ودمرت بلدانهم:

  • القرارات العسكرية الكارثية: اتخاذ قرار الحرب بناءً على وهم القوة الذاتية والاستخفاف بالخصوم، كما حدث في مغامرات عسكرية تاريخية انتهت بسقوط إمبراطوريات كاملة.
  • الانهيار الاقتصادي: فرض سياسات اقتصادية غير منطقية لمجرد أن القائد يراها صحيحة، وتجاهل القوانين المالية البحتة، مما يؤدي إلى تفقير الشعوب وانهيار العملات.
  • النهايات التراجيدية: غالباً ما تنتهي حياة هؤلاء القادة بنهايات مأساوية (إنقلابات، حروب أهلية، أو محاكمات تاريخية)، لأنهم يظلون مقتنعين بعظمتهم حتى اللحظة الأخيرة قبل السقوط.

يؤكد علماء النفس والسياسة أن الدواء الوحيد لـ “متلازمة الغطرسة” لا يوجد في الصيدليات، بل يوجد في الدساتير والمؤسسات.

إن العلاج الفعال الوحيد لحماية القادة من هذا المرض النفسي -وحماية الشعوب من آثاره الفتاكة- يتلخص في: التداول السلمي للسلطة، تحديد الفترات الرئاسية، استقلالية القضاء، وحرية الصحافة. فالمؤسسات القوية والقوانين الصارمة هي الكفيلة بإبقاء أقدام الحاكم على الأرض، وتذكيره دائماً بأنه مجرد بشر يتولى خدمة مؤقتة، وليس إلهاً يمشى بين الفانين.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك