لماذا فضل جان فرانسوا ليوتار التدريس في الجزائر ؟
لماذا فضل جان فرانسوا ليوتار التدريس في الجزائر ؟ بين بن نبي و أركون .. جان فرانسوا ليوتار مرآة عاكسة لفكر الحداثة وما بعد الحداثة في الجزائر
ليوتار: غياب خطاب العدالة أدى إلى ظهور الإرهاب
لم تتجاوب الثقافة الجزائرية مع “الحداثة” بالشكل الواسع الذي تجاوبت معه باقي الثقافات العربية الأخرى بحكم الوضع الذي عاشته الجزائر ايام الإحتلال الفرنسي، رغم وجود مفكرين جزائريين كمحمد أركون الذي ارتبط فكره الحداثي بنقد العقل الإسلامي و تفكيك آلياته التاريخية ، حيث يعتبر نقده المفتاح لدخول الحداثة إلى الثقافة الجزائرية، في الوقت الذي كانت رؤية مالك بن نبي تختلف عن رؤية محمد أركون، فحكم أن فكر مالك بن نبي كان السبّاق للفكر الأركوني ، فمالك بن نبي نظر إلى الحداثة من منظور نقدي حضاري، و كان يرى أن التعامل مع الحداثة يكون من خلال إعادة بناء الإنسان المسلم من الداخل ، أي زرع فيه الوعي الفكري و الديني، لكي لا يستهلك كل ما هو غربي، و هذا يعني ان مالك بن نبي لم يرفض الحداثة كمنظومة فكرية رفضا عميقا، بل تناولها ضمن مشروعه الفكري الحضاري لكن بنظرة نقدية إصلاحية عندما تناول مسألة التخلف ، و قال انها استهلكت بطريقة خاطئة، لقدركت الحداثة في فكر مالك بن نبي أثرا كبيرا و أحدثت فيه تحولات عميقة نلمس ذلك في كتبه التي أصدرها ( في التغيير، مشكلة الثقافة و غيرها ) حيث كان يدعو إلى إصلاح الإنسان، و بنائه بناءً نهضويا ، مالم يستطعى مالك بن نبي طرحه هو عصر ما بعد الحداثة لأنه توفي قبل أن يتبلور مشروع ما بعد الحداثة كتيار فكري الذي ظهر أواخر السبعينيات، لكنه كان يرى أن الحداثة هي بناًء حضاريا رافضا بذلك فكرة التكديس الذي حملت النخب العربية على تقليد النمط الغربي و استهلاكه بطريقة عمياء بل تقديسه، فقد صاغ مالك بن نبي رؤيته للحداثة في إطار ما سمّاه بـ: إنسان ما بعد الموحدين، بلغ فيه الإنسان المسلم مرحلة من الإنحطاط و الجمود الفكري ، فكانت له قابلية للإستعمار، فاصبح يعيش خارج التاريخ، لذلك كانت لمالك بن نبي رؤية نقدية للحداثة الغربية و الإنبهار بها باعتبارها نموذجا مستهلكا للحضارة الغربية و أن للعرب و المسلمين حضارتهم ، لكنهم استخفوا بها فكانوا وراء سقوطها.
و إن كانت الحداثة تعني التقدم فهي إذن واحدة من الدورات الحضارية التي تحدث عنها مالك بن نبي و هي ( الفكرة ، الإنسان والأشياء)، إن القابلية للإستعمار كانت رؤية بنّابية لكل أشكال التخلف و التبعية و التقليد و الإستسلام، ففرنسا (كنموذج) كانت تعتقد أن احتلالها الجزائر، مشروع يهدف إلى إخراج شعبها من وضعية التخلف و تحضّره، و قال قادتها أنهم لما وضعوا أقدامهم على أرض الجزائر وجدوا الجزائريين بعيدين عن التمدن و الحداثة و قالت أنهم شعب همجيّ و غير متحضرو أن ثوارها خارجون عن القانون ، أناس يسكنون الأكواخ و أبناءها يمشون حفاة عراة و جياع ينخر المرض أجسادهم، فهي تعتبر أن الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 هي من شكّلت عصر التنوير أو الأنوار، وكان لابد من إخراج الشعب الجزائري و بقية شعوب المغرب العربي منتخلفهم و تحرير فكرهم الغابي.
لقد وظف الإستعمار الفرنسي الحداثة و أسقطها على واقع المجتمع الجزائري، في محاولته جعل الجزائر فرنسية لطمس هويته و ثقافته الإسلامية ، و قد سار على نهجها (للأسف) نخبة من الجزائريين و منهم محمد أركون و عالم الأنتروبولوجيا مالك شبل الذي دعا إلى عصرنة الفكر الديني و تحريره من الإنغلاق، تذكر بعض المصادر أن مالك شبل تأثر بمالك بن نبي و استلهم من أفكاره رغم أن هناك فارق كبير بينهما ، لأن علاقة مالك بن نبي بالمؤسسات الثقافية الفرنسية اتسمت بالصراع المستمر و التهميش من الدوائر الإستعمارية عندما رغب في دراسة الشرق ، كذلك بسبب دخوله في نقاشات فكرية مع أقطاب الإستشراق الفرنسي مثل لويس ماسينيون، عكس مالك شبل الذي حظي بترحاب واسع به لدرجة أنه كُرِّمَ من طرف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حيث قلده بوسام فاس جوقة الشرف Chevalier de la Légion d’honneur بقصر الإليزيه بباريس عام 2008، و آخرون انخرطوا في الحداثة أمثال محمد شوقي الزين حيث تأثروا بالفكر الغربي و الثقافة الغربية و دعوا إلى القطيعة مع التراث كما دعوا إلى الإسلام التنويري (L’Islam des lumières)، لكن سرعان ما عرفت الساحة الفكرية في الجزائر تغيرات سريعة، حيث انتقل الإنفتاح على الحداثة إلى انفتاح آخر هو ما بعد الحداثة.
كان ذلك بعد مجيئ الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار، الذي اشتغل بتدريس الفلسفة في المدارس الثانوية بفرنسا، قبل أن ينتقل و عائلته إلى الجزائر للتدريس في إحدى الثانويات بقسنطينة، حيث استقر في الجزائر خلال فترة الإحتلال الفرنسي، لمدة سنتين ( بين 1950 و 1952) و كانت تجربته فيها عاملا مهما في تشكيل ما سمّاه هو بـ: “ضميره السياسي”، إذ شاهد هناك عن قرب آثار الإستعمار و التفرقة العرقية و الفقر و التخلف، فدفعته هذه التجربة إلى الانضمام إلى الجماعة المعروفة باسم (الإشتراكية أو البربرية) Socialisme ou Barbarie و هي منظمة سياسية تنتمي إلى أقصى اليسار الراديكالي تأسست عام 1949 ، تعمل على محاربة الهمجية و التخلف و استطاعت هذه المنظمة عن طريق مجلتها التأثير في الرأي العام، من خلال مطالبها بالديمقراطية المباشرة، إلا أنها حُلّت عام 1966،بعد خلافات فكرية حادة داخل الجماعة، و كان لذلك كله أثره في توجهه ليوتار السياسي بحيث تجاوب مع حركة الطلاب و العمال في باريس عام 1968.
يرى النقاد أنه ليس من السهل فهم كتابات جان فرانسوا ليوتار كما أنه ليس من السهل قبول أفكاره، لكنه كان يؤازر الدعوة إلى الإختلاف و إلى التعدد في كل المجالات النظرية و يحارب المناهج العامة الكلية أو الشمولية و يؤكد التغاير بين أنواع الخطاب المختلفة، و يعتبر ليوتار من رواد حركة ما بعد الحداثة في فرنسا و إسهامه في تلك الحركة و مدى تقبل الفكر العالمي لها، فمصطلح ما بعد الحداثة استعاره ليوتار من الفكر الأمريكي، لكي يصف حالة الثقافة في الوقت الراهن، و من خلال تأملاته لاحظ ليوتار أن العالم يمر بمرحلة تسمّى بـ: “الإنفجار الإتصالي عن بُعد” وهذا الإتصال يشهد تفكك المذاهب و النظريات و الإتجاهات الفكرية الكبرى، و اختفاء أنساق المعتقدات التي توجه الإنسان إلى تفكيره و قيمه و سلوكياته و علاقاته بالآخرين، حسب الفيلسوف ليوتار فإن مرحلة ما بعد الحداثة تفتقر إلى خطاب الصدق و العدالة و مشروعية ماهو صادق و ماهو عادل، و هذا الغياب للعدالة أدّى إلى ظهور الإرهاب، فما بعد الحداثة كحركة فكرية تقوم على نقد بل رفض الأسس التي ترتكز عليها الحضارة الغربية الحديثة، و تهيئ لقيام مجتمع جديد يرتكز على اسس جديدة للفكر الإنساني الحديث، حسبما أوردته المصادر فقد تأثر مفكري ما بعد الحداثة بأفكار فلاسفة ألمان مثل نيتشه و هايدغر، و أرنولد تيونبي، يعتبر أحد رواد هذا التيار الفكري، من خلال كتابه “ دراسة في التاريخ” ، حيث كان لتوينبي موقفا من الحضارة الغربية في القرن العشرين و تفككها.
علجية عيش



إرسال التعليق