مذكرات ضابط شرطة في الريف… معركة الفجر وأخوة السلاح

جميل مرتضى

الحلقة الثامنة: معركة الفجر وأخوة السلاح

كانت أصداءُ محاكمة بيروت ترتدُّ إلينا في “عين التوت” عبر أجهزة الراديو الخشبية وصحف العاصمة التي تصدر متأخرةً يوماً أو يومين. لم تكن الأسماء الساقطة في الملف مجرد أرقام؛ بل حيتان كبار تساقطت أقنعتهم تباعاً. غير أن من ينسحبون من المشهد السياسي مهزومين، لا يرحلون دائماً بوهدأة، بل يتركون خلفهم الذيول القذرة لتعبث بالدم الأخير.

في ليلةٍ من أواسط كانون الثاني/يناير، شحذت الطبيعة سكينها؛ كانت الريح العاصفة تطرق أبواب المخفر بكفٍّ من حديد، والثلج الممزوج بالمطر ينهال على الأسطح كالرصاص.

كنا أربعة في الداخل: أنا، والدركي “حليم”، و”خليل” الذي فضّل البقاء معنا حارساً متطوعاً، والجندي الفار “جورج” الذي كان ينتظر السيارة القضائية الأخيرة لنقله إلى المرفأ تمهيداً لترحيله.

عند الثالثة فجراً، قُطع هدوء المخفر بصوتٍ غريب لم يكن صرير الريح؛ صريرُ خشبٍ يحترق، ورائحة زكية من “الكيروسين” تقتحم النافذة الخلفية!

قفز حليم نجو النافذة ليجد ناراً حمراء تلتهم المستودع الملحق بالمخفر، حيث خُبئت بقايا العينات والأدلة الثبوتية. وفي لحظة خروجنا لمحاصرة الحريق، انطلقت زخاتٌ كثيفة من الرصاص من بين أشجار السنديان المجاورة، لتخترق زجاج المخفر وتستقر في الجدران الحجرية!

صاح خليل وهو يرمي بنفسه على الأرض:

— “عصابة التصفية! أرسلهم ‘السيد سليم’ قبل رحيله لإحراق المكان وقتل الشاهد الوحيد!”

كانوا ينادون من بين الظلام والثلج، بأصواتٍ غريبة ومقنعة:

— “سلّموا الفرنسي والوثائق المتبقية ونعفُ عنكم! وإلا حرقنا المخفر بمن فيه!”

كان الموقف حرجاً للغاية؛ الحريق يتمدد نحو السقف الخشبي، والرصاص يحاصر الباب والأنوافذ. سحبتُ مسدسي “الويبلي” وقسّمتُ الذخيرة المتبقية على حليم وخليل.

في هذه اللحظة العصيبة، حدث ما لم أكن أتوقعه؛ تقدم الجندي الفرنسي “جورج”، جثا على ركبتيه ورجاني بنبرة صادقة:

— “حضرة الضابط.. أعطني سلاحاً! هؤلاء القتلة أتوا من أجلي، وأنا لا أريد أن أموت كخائن أو جصن محاصر.. دعني أدافع معكم عن هذا الباب!”

نظر حليم إليّ بتوجس، غير أنني رأيتُ في عيني الرجل رغبة حقيقية في التكفير عن أخطائه. سلمتُه بندقية صيد كانت مصادرة في الخزنة، وقلتُ له:

— “اليوم لا يوجد انتداب ولا أسرى يا جورج.. اليوم نحن جميعاً نحمي الحق.”

توزعنا على المحاور. بدأنا بالرد بسلاسة وانضباط؛ رصاصات حاسمة ومتقاطعة جعلت المهاجمين يظنون أن المخفر مدججٌ بفصيلة كاملة من الحرس. خرج خليل من النافذة السفلية ببراعة ابن الجبل، وتسلل خلف حافة الشير، ليطلق النار على برميل الكيروسين الذي كان المهاجمون يستعينون به، فانفجر بين أيديهم وأضاء الليل بشعلة هائلة كشفت مواقعهم!

انكشفت العصابة في خط النار، وسقط اثنان منهم متأثرين برصاص حليم وجورج، بينما فرّ الباقون عبر الوديان المثلجة تاركين أسلحتهم وراءهم.

مع انقشاع العتمة وتباشير الصباح، كان أهالي “عين التوت” يهرعون إلى المخفر لإطفاء ما تبقى من حريق المستودع. جُمعت أسلحة العصابة، وتكشفت هوية المهاجمين؛ مرتزقة مأجورون دفع لهم أزلام النظام البائد لتدمير أثر القضية.

وقف الجندي الفرنسي “جورج” يمسح العرق والرماد عن وجهه، ثم التفت إليّ وقدم لي التحية العسكرية برأسٍ مرفوع:

— “شكراً لأنك أعطيتني فرصة لأستعيد شرفي يا حضرة الضابط.”

وصلت المصفحة القضائية أخيرًا في الظهيرة. صعد جورج مكبلاً بالحديد رسمياً، لكنه كان يبتسم براحة نفسية لم أعهدها فيه من قبل.

جلستُ على مكتبي المتفحم الحواف، وأخرجتُ دفتري الثامن الذي نجح من النار. رفعت القلم، وكتبتُ في السطر الأخير:

“في ليالي الخطر الكبرى، تتلاشى الجنيسات والألوان، ولا يبقي إلا المحك الحقيقي للإنسان: إما أن يختار الصمود مع الحق، أو يسقط مع الظلم. وفي ‘عين التوت’، تعلمتُ أن شرف البزة العسكرية لا يُصنع في الثكنات الأنيقة، بل في قلب هذه المواجهات الصامتة.”

أغلقتُ الدفتر، وخرجتُ لأستنشق هواء الجبل النقي، متهيئاً للقسم الأخير من الحكاية…

(تتبع الحلقة التاسعة…)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك