في رحاب النسيان: حين يسدل الستار على حكاية الوجود

د. بوجابر علي

حين يترجل الإنسان عن صهوة هذه الحياة، وتُطوى صحيفة أيامه بين أطباق الثرى، يتخيل البعض خطأً أن صدى أفعاله وحكايته سيظل يتردد طويلاً في أروقة الذاكرة الإنسانية. غير أن الحقيقة الفلسفية والواقعية التي تتكشف بمرور الأيام تحمل في طياتها مراجعة عميقة لذواتنا ولحجم أهميتنا الوهمية في هذا الكون.

إن الواقع يؤكد حقيقة مرة لكنها محررة في الوقت ذاته؛ فـ “لن يذكرك الناس كثيراً بعد الموت، ما هي إلا أيام قلائل ثم تكون في عداد المنسيين، فكأنك لم تولد ولم توجد.”

عابرون على مسرح الأيام

لا تكاد تمضي سنوات معدودة على رحيل أحدهم، حتى تذبل طقوس التذكر وتخفت أصوات المعزين. سوف يأتي ذكر الإنسان مرات قليلة وعابرة من قبيل الصدفة البحتة، أو حين يُستحضر اسمه تَبَعاً لذكرى شخص آخر، لكنه في النهاية سيطفو نحو الفناء النهائي مع قدوم أجيال جديدة إلى الحياة لا تعرف عنه شيئاً، ولا تربطها به أي صلة وجدانية أو تاريخية.

في تلك المرحلة، لن تتذكر الأجيال اللاحقة من أنت، ولا المبادئ والقيم التي كنت تتمسك بها طوال حياتك وتحارب من أجلها، كما لن يلتفت أحد لمعرفة إن كنت شهماً نبيلاً كريماً، أو شريراً قاسياً سيئاً؛ فقد استوت الكفتان تحت رماد النسيان.

حكمة التحرر من آراء الناس

هذه الحقيقة ليست دعوة للعدمية أو اليأس، بل هي نافذة واسعة نحو السلام النفسي الحقيقي. وفي كلا الحالتين، أنت لن تستفيد من كلامهم شيئاً. وسواء مدحك الناس أو ذموك بعد رحيلك، فلن يغير ذلك من واقع انتقالك إلى عالم الحق شيئاً، ولن تصلك أصداء إطرائهم ولا لومهم.

إدراك هذه الحقيقة يعفيك من عبء إرضاء البشر، ويحررك من سجن التطلع إلى التصفيق الدائم والمظاهر الزائفة. حين تعلم أن الذاكرة البشرية قصيرة بطبيعتها، ستدرك أن الأهم ليس ما سيقوله الناس عنك غداً، بل ما تفعله اليوم بينك وبين ضميرك، وبينك وبين خالقك، لتغدو الحياة رحلة خالصة للقيم الأصيلة، لا بحثاً عن خلود وهمي تحت سماء الذاكرة المنسية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك