غبي منه وفيه: تفكيك العبقرية السيكولوجية للغباء الذاتي

عبد الرحمن إبراهيمي

في التراث الشعبي والمخيال اليومي، كثيراً ما نردد عبارة “غبي منه وفيه” لنصف بها ذلك الشخص الذي يتكفل بنفسه لإلحاق الأذى بذاته دون حاجة لتدخل خصوم أو أعداء. غير أن هذه العبارة البسيطة في ظاهرها تحمل في عمقها السيكولوجي والفلسفي تشخيصاً دقيقاً لواحد من أعقد مظاهر الانحراف المعرفي والسلوكي لدى الإنسان: الغباء المصنوع ذاتياً أو ما يُعرف في الأدبيات النفسية بـ “التدمير الذاتي غير الواعي”.

إن الغباء في جوهره ليس مجرد نقص في الذكاء أو تراجع في تحصيل المعرفة، بل هو عجزٌ في إدارة العقل وهزيمة نكراء للإدراك أمام الدوافع النفسية الأعمى.

تفكيك هذه الظاهرة يضعنا أمام أبعاد سيكولوجية عميقة تشرح كيف يصنع الإنسان غباءه بيده:

1. وهم المعرفة وغرور العقل (Dunning-Kruger Effect)

أولى مراحل “الغباء الذاتي” تبدأ عندما يعتقد المرء أنه يحيط بكل شيء علماً، وينصّب نفسه حكماً ومظهراً للحقائق دون امتلاك الحد الأدنى من الأدوات النقدية. سيكولوجياً، يُعرف هذا بتأثير “دابينغ-كروجر”؛ حيث يميل الأشخاص ذوو الكفاءة المحدودة إلى المبالغة الشديدة في تقدير قدراتهم.

صاحب هذا النمط لا يكتفي بعدم الفهم، بل يحارب كل رأي مخالف بثقة مطلقة ويغلق منافذ التعلم. وهنا تكمن العبقرية العكسية لـ “غبي منه وفيه”؛ فهو يتخذ القرارات الخاطئة بكل ثقة ويقين، ثم يستغرب عندما تصطدم قناعته بالواقع الصادم!

2. التفكير الرغائبي والعمى الاختياري (Wishful Thinking)

يرفض الشخص المصاب بهذا النمط رؤية العالم كما هو، وينكفئ على رؤيته كما يتمنى أن يكون. هو يرى المؤشرات والتحذيرات والخطورة تحيط به من كل جانب، لكنه يختار “العمى الإرادي” والتغاضي السلوكي، محولاً الأوهام الداخلية إلى حقائق موضوعية.

هذا الانفصال عن الواقع يجعله يكرر نفس الأخطاء بنفس الطريقة وينتظر نتائج مختلفة! وعندما تسقط التوقعات ويقع في الفخ، لا يلوم عقليته الجافة بل ينسب الخيبة إلى الحظ، أو العين، أو المؤامرة الخارجية، غافلاً عن أنه هو من حفر الحفرة وقدم نفسه قرباناً لها.

3. الانسياق خلف الانفعال وإلغاء المنطق

الغباء السلوكي يتغذى بالأساس على غياب ضبط النفس. عندما تتحكم النزوات، والغضب العارم، والرغبة الانتقامية السريعة في دفة القيادة، يُحيّد العقل تماماً ويتحول الفرد إلى كائن رد فعل مستمر.

“غبي منه وفيه” ينفعِل قبل أن يفكر، ويتكلم قبل أن يستوعب، ويتخذ القرارات المصيرية في قمة الفورة العاطفية. إنه كمن يحرق بيته بأكمله ليقضي على حشرة صغيرة على الجدار، ثم يقف يبكي على الأنقاض متسائلاً عن السبب!

4. عبادة الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)

يحاصر هذا الشخص نفسه داخل “غرفة أصداء” لا يسمع فيها إلا ما يوافق هواه؛ فيسعى دائماً للبحث عن المعلومات والمعطيات التي تؤكد قناعاته المسبقة، ويرفض بضراوة أي حقيقة علمية أو منطقية تصحح مساره. هذا السجن الفكري الداخلي يمنعه من تطوير قدراته، ويجعل تصرفاته متوقعة ومكشوفة للجميع، بحيث يسهل توجيهه أو استغلاله دون أن يدري، لأنه يقدم ثغراته للمحيطين به على طبق من ذهب.

إن مقولة “غبي منه وفيه” هي صرخة تنبيه سيكولوجية تذكرنا بأن أكبر أعداء الإنسان ليس الخصم الذي يتربص به في الخارج، بل هو عقله حين يستسلم للجهل المركب والغرور الاستعراضي.

الحماية الوحيدة من الوقوع في هذا الفخ هي التواضع المعرفي، والتأمل النقدي الذاتي، والجرأة على مراجعة الأفكار؛ فمن لا يملك الشجاعة ليصارح نفسه بأخطائه، سيتكفل هو نفسه -ودون أي مجهود من الآخرين- بدمار تجاربه وخسارة رهان حياته.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك