حادث قطار اسبانيا ..هل يتعلق الأمر بحرب هجينة ؟

هل دخلت السكك الحديدية الإسبانية تكتيكات “الحرب الهجينة”؟

د. محسن عقيلان

كان من الممكن أن يمر حادث تصادم القطارين فائقَي السرعة، صباح الأربعاء ٢٨ أكتوبر في تمام الساعة 8.53 مرور الكرام كأي حادث عابر ناتج عن سرعة زائدة أو اهتراء في البنية التحتية. لكن، بمجرد الإعلان عن أن السبب يكمن في سقوط شبكة (LZB) للتحكم والاتصالات، وتوقفها التام على امتداد ٦٧ كيلومتراً، كان لزاماً علينا أن نتراجع خطوة إلى الوراء ليدور في مخيلتنا شريط تكتيكات “الحرب الهجينة”.

لا يتحرك هذا الشك في فراغ فالداخل الإسباني يعيش حالياً ذروة استقطاب انتخابي حاد، في وقت باتت فيه الدولة مستهدفة من عدة جبهات خارجية: أولاً من روسيا بسبب الدعم الإسباني لأوكرانيا، وثانياً من إسرائيل نظراً للمواقف العلنية الصارمة للحكومة الاشتراكية في التنديد بالمجازر الفظيعة ضد غزة وشعبها. وإذا عدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، سنجد أن أصابع الاتهام قد وُجهت لهما سابقاً في محطتين بارزتين: حادثة انقطاع الكهرباء الكبير عن إسبانيا، وأحداث سبتة التي حامت حولها شبهات وتدخلات خارجية واضحة.

اليوم، ومنعاً لإثارة البلبلة بين الجمهور، يبدو من المبكر جداً اتهام طرف بعينه، خاصة وأن الأجهزة الاستخباراتية والمختصة ما زالت في قلب التحقيق. ومن هنا، لن يكون هدف تحليلنا الإستراتيجي توجيه اتهامات مسبقة، بل تفكيك هذا الغموض، وتوضيح مكامن الخلل للإجابة عن السؤال الجوهري: هل ما جرى مجرد حادث عرضي، أم خلل تقني بحت في الشبكة، أم خطأ بشري، أم أن هناك تداخلاً خفياً بين هذه العوامل كلها مع طرف خارجي ؟

أولاً: التسلسل التقني المثير

يجب أن نتوقف عند التسلسل الزمني والأحداث التقنية المتسارعة التي كشفتها لجان التحقيق والتسجيلات الصوتية المسربة من مركز التحكم:

شلل مفاجئ في الثامنة والنصف: بدأت الأزمة نتيجة مشكلة اتصال معقدة بين ثلاثة أجهزة كمبيوتر رئيسية في محطة “أوردا”. هذا الخلل تسبب في خروج نظام التحكم والسلامة التلقائي الآلي (LZB) ألماني الصنع عن الخدمة تماماً على امتداد 67 كيلومتراً، مما أدى لتوقف القطارات آلياً في ذلك القطاع لحمايتها.

عقدة الـ 170 عطلاً: كشفت نقابة مهندسي القطارات (SEMAF) أن هذا النظام القديم الذي يمر بمرحلة إحلال تدريجي، خرج عن الخدمة نتيجة مشاكل مختلفة حوالي 170 مرة خلال هذا العام وحده، مما يعكس حالة من “الإجهاد التقني” المستمر.

لغز التسجيلات المسربة والأمر القاتل: تسبب العطل في توقف قطار شركة (Iryo) الخاصة أولاً لفقدان الإشارة. وخلفه على نفس المسار، كان قطار (AVE) الحكومي متوقفاً أيضاً. هنا حدث الأمر الغامض؛ حيث تلقى سائق قطار (AVE) أمراً مباشراً وموجهاً من مركز التحكم بمدريد يقول: “افصل نظام LZB وأعد توصيله.. واصل رحلتك وتحرك بالسرعة العادية التشغيلية المعتادة”.

تجاوز البروتوكول والاصطدام المروع: بموجب اللوائح، يُمنع تشغيل القطارات فائقة السرعة بأكثر من 40 كم/ساعة عند تعطل الأنظمة الرقمية والاعتماد على الرؤية البصرية. لكن بناءً على الأمر، انطلق القطار بسرعة جنونية تراوحت بين 160 و200 كم/ساعة، ليفاجأ بالقطار الأمامي متوقفاً، ويحدث الاصطدام المروع، وهو ما وصفه وزير النقل، أوسكار بوينتي، بأنه “خطأ تشغيلي فادح وغير مفهوم” وغير مفهوم ضع تحتها خط

ثانياً: السيناريوهات الإستراتيجية المطروحة وأهدافها

تفكيك هذا التداخل التقني والبشري يضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات تفسر طبيعة الكارثة والهدف الكامن وراء كل منها:

السيناريو الأول: “تطبيع العطل” وصناعة الخطأ البشري (التخريب السيبراني الهجين)

هذا السيناريو لا يتطلب بالضرورة تفجير النظام لحظة وقوع الحادث، بل يعتمد على “تكتيك الإجهاد المسبق”. القراصنة الدوليون قد يكونون وراء الأعطال الـ 170 المتكررة طوال العام لإيصال العنصر البشري في مركز التحكم إلى حالة “التراخي والاعتياد”. عندما يسقط النظام للمرة 171، يتعامل معه المراقب كعطل روتيني، فيرتكب الخطأ القاتل ويفصل نظام الأمان ويأمر بالسرعة القصوى لتفادي تأخير الرحلات في موسم انتخابي حساس. كما لا يمكن استبعاد حدوث اختراق لمنظومة الاتصالات (Spoofing) لتزوير الأوامر الصوتية أو تزييف البيانات على شاشات المراقبين.

الهدف: ضرب “ثقة المواطن في أمن الدولة”، وإحداث هزة اقتصادية واجتماعية تشل البلد، والضغط على الحكومة الاشتراكية الحالية لإظهارها بمظهر العاجز عن إدارة المرافق الحيوية.

السيناريو الثاني: التقاطع العرضي المستغل (العطل الفني الذي تخدمه السياسة)

أن ما جرى هو عطل تقني بحت نتيجة شيخوخة نظام (LZB)، تلاقى مع خطأ بشري كارثي من مراقب غير مؤهل تحت ضغط العمل. ورغم أنه حادث عرضي، إلا أن “الحرب الهجينة” تتدخل فوراً في مرحلة ما بعد الحادث.

الهدف: تفعيل تكتيك الـ (Desinformación) أو “حرب المعلومات والتضليل”. تتدخل هنا اللجان الإلكترونية التابعة لروسيا أو إسرائيل لتضخيم الأزمة، ونشر معلومات كاذبة لتعميق الانقسام الداخلي وسط الاستقطاب الانتخابي. فالهدف هنا ليس صناعة الحدث، بل “استغلال ثغرات الدولة” لتصفية حسابات جيوسياسية مع مدريد بسبب مواقفها من أوكرانيا أو غزة لهذا وجدنا شاىعات كثيرة تثار حول هذا الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي

السيناريو الثالث: “الانتقام السيبراني المشفر” وتكتيك التصفير الإقليمي (الاصطدام مع تل أبيب)

يذهب هذا السيناريو مباشرة نحو فرضية “الانتقام الرقمي الممنهج” من قبل إسرائيل ضد المواقف السياسية الصارمة للحكومة الإسبانية. احتمالات التدخل السيبراني الإسرائيلي في هذا الحادث ليست مجرد وهم، بل تدعمها سوابق تاريخية موثقة في المشهد الإسباني؛ بدءاً من فضيحة استخدام برمجيات التجسس “بيغاسوس” لاختراق هواتف كبار المسؤولين الإسبان، وصولاً إلى الأصابع السيبرانية الخفية التي لعبت دوراً في إشعال أحداث “سبتة” للضغط على مدريد. وفي عالم الاستخبارات، لا يوجد ما يمنع إسرائيل من مواصلة حربها الهجينة ضد كل من يعارضها دولياً. وما يعزز هذا التزامن، هو خروج تصريحات متزامنة حول وجود محاولات تخريب واستهداف إعلامي وسيبراني لمشروع مفاعل الضبعة النووي المصري؛ وهو أمر يتماشى تماماً مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية الثابتة القائمة على استراتيجية “التصفير النووي” ومنع أي تفوق تكنولوجي أو طاقة مستدامة في المنطقة المحيطة بها. بالاضافة الى معاقبة كل من يقف ضد سياسات اسرائيل التدميرية في المنطقة

الهدف: توجيه ضربة انتقامية مشفرة وموجعة تحت الطاولة لمعاقبة إسبانيا على مواقفها. والهدف هو إرسال رسالة ردع واضحة لصانع القرار الإسباني بأن ثمن خطابه السياسي سيكون ضرب استقرار عمقه الداخلي، لإجباره على الانكفاء لمعالجة الأزمات الأمنية الداخلية والتراجع عن تصعيد مواقفه في المحافل الدولية فاذا لم يردعك التصادم انتظر منشأتك الحيوية

خاتمة

بعد كل ما استعرضناه من أبعاد تقنية وجيوسياسية معقدة، لا يمكننا إغلاق الدائرة دون التأكيد على الفرضية الأساسية والمباشرة: أن يكون ما حدث مجرد عطل تقني بحت في شبكة الاتصال، أعقبه قرار بشري خاطئ وقاتل تحت ضغط العمل في منظومة الإشارات. هذه الفرضية هي ما سنعتمد عليها رسمياً كإطار للحدث في الوقت الحالي، تجنباً للوقوع في فخ الاستنتاجات المتسرعة، لان التداخل بين احتمالات التخريب السيبراني الهجين وهشاشة الأنظمة التقنية يثبت أن أمن البنية التحتية لم يعد مجرد مسألة صيانة ميكانيكية، بل معركة أمنية و الى ان تصدر اللجان المختصة ومركز الاستخبارات الوطني الإسباني (CNI) نتائج التحقيقات النهائية، وما سيرشح عنها من معلومات وأدلة جنائية رقمية، ستكون لنا وقفة تحليلية أخرى أعمق لربط الحدث بمسلسل الحوادث الهجينة سواء في اوروبا او الشرق الاوسط

الكاتب / باحث في العلاقات الدولية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك