في أزمة الدولة الدينية والمدنية في العالم العربي

عباس عز الدين

حين نتأمل خريطة التأزم التاريخي في العالم العربي، سنجد أن المعركة الكبرى التي لم تُحسم بعد، وربما تكون هي “أم المعارك” الفكرية والسياسية، تدور حول تعريف الحيز العام: لمن تهتف المآذن والقباب، ولمن تُكتب القوانين وصكوك الشرعية؟ هل هي لـ “الدولة الدينية” التي تستمد تفويضها من السماء وتختزل المجتمع في نصوص وأحكام جاهزة؟ أم لـ “الدولة المدنية” التي تقوم على التعاقد البشري، والمواطنة المتساوية، وفصل الحقل السياسي عن القداسة المطلقة؟

إن أزمة الدولة في العالم العربي ليست أزمة إدارية عابرة، بل هي أزمة بنيوية عميقة متجذرة في عجز الفكر السياسي العربي عن تجاوز ثنائية “الحاكم الإلهي” و”المجتمع الرعية”، ووقوعه أسيراً لتشابك ملتبس بين السياسي والديني لم ينتهِ إلا ليعود بصيغ أكثر دموية وتطرفاً.

أولاً: وهم الدولة الدينية.. عندما يصبح النص صسياسة والسلطة عقيدة

إن فكرة “الدولة الدينية” بالمعنى الثيوقراطي الحصري لم تكن تاريخياً سوى استثناء عابر في التجربة الإسلامية الأولى، لكنها تحولت في الوعي المعاصر إلى “يوتوبيا رجعية” ترفع شعارات براقة مثل “الإسلام هو الحل” دون تقديم أي إجابة حقيقية عن تعقيدات الاقتصاد الحديث، وإدارة الدول، وتقنيات الحكم.

  • إلغاء السياسة لصالح الكهنوت: حين تتحول الدولة إلى حراسة مقدسة للدين، يفقد الدين نقاءه الروحي ويصبح أداة إيديولوجية في يد السلطة، وتفقد السياسة مرونتها وتصبح ساحة للتكفير والإقصاء. لا يعود هناك مكان للاختلاف في الرأي؛ فالسياسي هنا لا ينافسك على برنامج انتخابي قابل للتعديل، بل ينافسك على “امتلاك الحقيقة المطلقة ورضا الله”، ومن ثم يصبح معارضوه ليسوا مجرد مواطنين مختلفين في الرأي، بل “خارجين عن الملة أو أعداء للشريعة”.
  • إفلاس التجربة التاريخية: كلما جرب التاريخ الحديث إقامة دولة دينية صريحة، انتهت إلى أشكال مختلفة من الاستبداد البيروقراطي أو العنف الميليشياوي؛ لأنها تعجز تماماً عن إدارة التعددية الدينية والمذهبية والعرقية المتأصلة في نسيج المجتمعات العربية.

ثانياً: أزمة الدولة المدنية الشكلية.. الدستور في الشرفة والقبضة في الكواليس

في المقابل، لم تكن “الدولة المدنية” في العالم العربي بأفضل حالاً؛ فقد عانت طويلاً من تشوه بنيوي جعلها مدنية في النصوص وشمولية استبدادية في الممارسة.

  • المدنية كمجرد يافطة شكلية: لقد أقامت الأنظمة العسكرية والوطنية الحديثة في عالمنا العربي هياكل لدولة مدنية (برلمانات، محاكم دستورية، أحزاب)، لكنها كانت مجرد “واجهات ديكورية” تخفي خلفها حقيقة حكم عسكري أو أمني أوتوقراطي.
  • الهروب إلى “شرعية الدين”: وحين فشلت هذه الأنظمة في تحقيق التنمية، أو العدالة الاجتماعية، أو الكرامة الإنسانية، لجأت مراراً وتكراراً لارتداء “العباءة الدينية” كلما شعرت بأن عروشها تهتز؛ فصارت تزايد على خصومها في التدين، وتسن قوانين مستمدة من الفقه لإرضاء التيارات المحافظة، وتقدم نفسها باعتبارها “الحارس الأمين للأخلاق والدين”. وبهذا، لم تكن الدولة المدنية العربية جادة يوماً في فصل الدين عن السياسة بالمعنى الحداثي، بل كانت تستخدم الدين أحياناً لشرعنة بقائها وأحياناً أخرى لقمع خصومها.

ثالثاً: العقد الاجتماعي الضائع.. لماذا تغيب المواطنة المتساوية؟

الجوهر الحقيقي لأزمة الدولة المدنية في العالم العربي يكمن في غياب “المفهوم الحقيقي للمواطنة”.

  • في الدولة المدنية الحقيقية، الفرد هو المكون الأساسي، متساوٍ في الحقوق والواجبات بغض النظر عن عرقه أو دينه أو مذهبه. أما في الواقع العربي، فلا يزال الانتماء الأول والأخير لـ “العصبية” (الطائفة، القبيلة، العرق)، بينما تتعامل الدولة مع رعاياها باعتبارهم مجموعات متنافسة لا مواطنين أحراراً.
  • هذا التناقض جعل الدولة المدنية تبدو في نظر قطاع واسع من الجمهور وكأنها “مشروع غربي” أو “مفروض فوقياً” لا يعبر عن هويتهم الثقافية والروحية، مما أبدى حنيناً مستمراً لدى البعض نحو وهم “الخلافة” أو الدولة الدينية باعتبارها الملاذ الأخير لحفظ الهوية.

إن الخروج من مأزق الدولة الدينية والدولة المدنية المشوهة لا يكون بالعودة إلى الماضي، ولا باستنساخ نماذج غربية لا تهبط على أرض صلبة. الحل يبدأ من تأسيس حداثة عربية نابعة من الداخل؛ حداثة تعترف بخصوصية الدين وثقافته في الوجدان الشعبي، ولكنها تفصله تماماً عن صراعات السلطة والثروة.

دولة مدنية حقيقية لا تحارب الدين بل تحييده عن الاستغلال السياسي، وتصون حرية الاعتقاد والتفكير للجميع، وتجعل من “المواطنة المتساوية” المعيار الوحيد لانتماء الإنسان. ما لم نجرؤ على تفكيك هذه الجدلية الملتبسة بين المقدّس والسياسي، سنظل ندور في نفس الحلقة المفرغة من الاستبداد والدم والخراب.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك