تاريخ فلسطين بين الفتحَين العمَري والأيوبي

أمجد عثمان

منذ أن شُرعت أبواب التاريخ العربي والإسلامي على أرض فلسطين، ظلّت هذه البقعة المباركة تتجاوز حدود الجغرافيا وتضاريسها الممتدة، لتغدو ثقلاً دينياً وحضارياً وسياسياً يختزل في طياته معادلات الصراع في الشرق الأوسط برمتها. إنها البقعة التي سال لها لعاب الفاتحين والغازين عبر العصور، وكانت في الوقت ذاته قلب الأمة النابض وحصنها الحصين.

بين لحظة دخول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكللاً بروح السلام والتسامح لبيت المقدس، ولحظة ترجيل الناصر صلاح الدين الأيوبي لرايات الفرنجة عقب معركة حطين الفاصلة، تمتد حقبة تاريخية حبلى بالتحولات الفكرية، والعسكرية، والصراعات التي ابتغت صياغة هوية المكان ومسخ انتمائه.

في هذا السياق الملحمي، يأتي أحدث إحاطة فكرية وتاريخية للمؤرخ الأستاذ الدكتور محمد إرشيد العقيلي، من خلال كتابه الصادر حديثاً عن دار “الآن ناشرون وموزعون” بعمّان، تحت عنوان: «فلسطين بين فتحَين»؛ ليقدم دراسة موسوعية معمقة ومفصلة تقرأ التاريخ لا كأحداث غابرة، بل كدستور حي ينبض بدلالات حاضرة، محاكياً أوجه الشبه بين التجربة الصليبية القديمة والمأساة الصهيونية المعاصرة.

أولاً: خريطة الكتاب.. رحلة في اثني عشر فصلاً من العظمة والتحدي

يقع الكتاب في 384 صفحة من القطع الكبير، ويتوزع على اثني عشر فصلاً تؤسس لمنهجية تاريخية متكاملة تبدأ من الجذور ولا تنتهي عند حدود التحرير، بل تمتد لتغطي التجربة الحضارية الشاملة:

  1. الشهادة القديمة والامتداد العربي: يتناول الفصل الأول تاريخ فلسطين القديم حتى بزوغ فجر الإسلام، مؤكداً أنها كانت دائماً جزءاً لا يتجزأ من بلاد الشام وامتداداً حيوياً للجزيرة العربية.
  2. الوجود العربي والممالك التعاقبية: يستعرض الفصل الثاني القبائل العربية التي استقرت في المنطقة والممالك المتعاقبة، لإسقاط ادعاءات القطيعة التاريخية.
  3. طلائع الفتح في العهد النبوي: يخصص الفصل الثالث لرصد المحاولات الأولى والطلائع العسكرية التي وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم نحو الشام، تمهيداً للالتحام الكلي.
  4. الفتح الراشدي والعهدة العمرية: يتوقف الفصل الرابع عند حركة الفتح الكبرى (فتح دمشق، بيت المقدس، وقيسارية)، حيث ربط الفتح العمري بين مكة والقدس ربطاً عقدياً وحضارياً أبدياً.
  5. العهدان الأموي والعباسي: يدرس الفصلان الخامس والسادس تاريخ فلسطين تحت حكم الأمويين وبناء قبة الصخرة، ثم العصر العباسي الأول وموقف أهلها، مدفوعين بمناقشة مزاعم حماية شارلمان لبيت المقدس.
  6. من الطولونيين إلى الغزو الصليبي: يبين الفصل السابع المسار التاريخي وصولاً للعهد الفاطمي، ليمهد للفصل الثامن الذي يشرح كوارث الغزو الصليبي وتأسيس مملكة بيت المقدس الفرنجية.
  7. مشروع التوحيد الزنكي والأيوبي: يغطي الفصلان التاسع والعاشر ملحمة الانبعاث؛ بدءاً من جهود عماد الدين ونور الدين زنكي في لمّ الشمل، وصولاً إلى عبقرية صلاح الدين الأيوبي في إسقاط الخلافة الفاطمية وتوحيد جبهتي مصر والشام لخوض معركة التحرير.
  8. النظم الحضارية ودور المماليك: ينقب الفصل الحادي عشر في النظم الإدارية ومحاولات الصليبيين العابثة لطمس الهوية الإسلامية، بينما يختتم الفصل الثاني عشر بالدور الحاس مع للمماليك في إيقاف الزحف المغولي بعين جالوت واجتثاث الصليبيين نهائياً من المنطقة.

ثانياً: جغرافيا الموقع.. النعمة التي استحالت نقمة

يحلل الدكتور العقيلي عبء الموقع الاستراتيجي لفلسطين عبر العصور؛ فكونها الجسر البري الذي يربط القارات ومعبراً للجيوش من الشرق إلى الغرب (من الفرس واليونان إلى نابليون والحرب العالمية الأولى)، جعل منها خط الدفاع الأول لنظام الحكم في مصر ضد التهديدات القادمة من الشمال، والحصن المتقدم لبلاد الشام ضد الأخطار القادمة من الجنوب.

هذه الأهمية الفائقة أسالَت لُعاب المستعمرين؛ فكانت النعمة الجغرافية هي ذاتها “النقمة” التي جعلت المصالح الاستعمارية الغربية تتلاقى في العصر الحديث مع طروحات الحركة الصهيونية لإقامة وطن قومي غريب في قلب الجسد العربي، بهدف إبقاء المنطقة في حالة تخدير وتجزئة دائمة.

ثالثاً: مرآة التاريخ.. الصليبية والصهيونية في بوثقة واحدة

من أعمق المفاهيم التي يطرحها العقيلي في كتابه، هي الرابطة الأيديولوجية والوظيفية بين الحملات الصليبية القديمة والحركة الصهيونية المعاصرة:

  • البناء الأيديولوجي المشترك: كلتا الحركتين نبتتا من رحم التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية الأوروبية، وتستتران برداء الدين والرموز المقدسة (“أرض الميعاد”، “شعب الله المختار”، “استعادة القبر المقدس”) لشرعنة الاستعمار والاستيطان.
  • الغربة الحضارية والدعم الخارجي: تجمعهما فكرة “الغربة الحضارية”؛ فهما كيانات قادمة من خارج النسيج الإقليمي. وكما لم يكن للصليبيين أن يستمروا لولا الشريان الحياتي المتدفق من الإمبراطوريات الأوروبية، فكذلك حال الكيان الصهيوني الذي يقتعد على المساندة المطلقة من الدول الكبرى في الغرب.
  • التشرذم العربي كم شرط للنجاح: تؤكد شواهد الكتاب أن الغزاة لم يطأوا القدس في كلا العصرين إلا عندما عاشت الأمة أزهى فترات التمزق والتناحر البيني عشية الحروب الصليبية، وهو ذات المنظر المأساوي الذي كُرر عشية العدوان الصهيوني على فلسطين.

رابعاً: درجات التحرير.. درس صلاح الدين الخالد

إن النتيجة الأهم التي يستخلصها الدكتور العقيلي من تتبعه لقصة “الفتحين” هي أن النصر لم يكن يوماً محض صدفة أو رمية بغير رامي. لقد أدرك صلاح الدين الأيوبي وقبله آل زنكي أن مواجهة الخطر الخارجي تستوجب حتماً إنهاء حالة التشرذم الداخلي.

كان البناء الناصر يرتكز على معادلة ثلاثية:

  1. توحيد الأقطار المحيطة (مصر والشام) في جبهة متماسكة.
  2. الاستعداد المادي والعسكري والروحي الشامل.
  3. التمسك بالهوية الحضارية الأصيلة وتطهير الإدارة من الفساد.

إبحار في قامة المؤرخ

إن كتاب «فلسطين بين فتحَين» ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو وثيقة فكرية صاغها مؤرخ قدير كَرّس حياته لخدمة العلم والتاريخ. فمنذ تخرجه من جامعة دمشق عام 1963، وحصوله على الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في لبنان عام 1978، أثرى الأستاذ الدكتور محمد إرشيد العقيلي المكتبة العربية بمؤلفات مرجعية، إلى جانب أدوار قيادية وتأسيسية في وزارات التربية وجامعات الأردن والإمارات.

إن هذا العمل العظيم يذكرنا جميعاً بأحكام التاريخ الصارمة: إن الباطل مهما طال ليله ودُعم من عروش الاستكبار، فإن مصيره الاستئصال والزوال، طالما أن في هذه الأمة روحاً تستعيد دروس الفتحين العمري والأيوبي، وتؤمن بأن العزة والسيادة لا تُوهبان، بل تُصنعان بالوحدة والوعي والنضال!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك