تصعيد مركب وتحول نوعي في المديات الصاروخية في حرب السعودية و اليمن
حسنين خلوف (خبير استراتيجي – برلين)
في تطور عسكري خطير ينذر بتوسيع رقعة المواجهة وإعادة خلط الأوراق في المشهد الإقليمي، شهدت سماء المملكة العربية السعودية هجوماً مركباً واسع النطاق نُفذ خلال ساعات الليل. الهجمات، التي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، جاءت ردًا مباشرًا على الحملة الجوية التي شنها التحالف بقيادة السعودية يوم أمس، لتدخل الأزمة مرحلة جديدة من الاشتباك العابر للحدود والمدن الحيوية.
تشريح الهجوم: تكتيك الضربات المركبة
أظهرت المعطيات الميدانية أن الهجوم لم يكن تقليدياً، بل اعتمد على تكتيك “الضربات المركبة والمتزامنة”، حيث أُطلقت ما بين 20 إلى 20،000 (نحو 20 إلى 30) قطعة هجومية شملت صواريخ باليستية، وصواريخ كروز مجنحة، إضافة إلى طائرات مسيرة أحادية الاتجاه.
استهدفت هذه الموجة المعادية بنى تحتية حساسة ومطارات ومواقع عسكرية واقتصادية في أكثر من ثلاث مدن رئيسية، طالت مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ومطار أبها، وقاعدة خميس مشيط، ومعسكر عاكفة في عسير، فضلاً عن منشآت حيوية وبنى تحتية في نجران وجازان.
رابغ: التحول الاستراتيجي في بنك الأهداف
لكن “الجديد والأخطب” في هذا التصعيد لم يكمن في حجم الهجوم فحسب، بل في طبيعة وموقع الأهداف المنتقاة؛ حيث تعرضت منشأة تابعة لشركة “أرامكو” النفطية في مدينة رابغ لهجوم مباشر.
استراتيجياً، تكتسب رابغ أهمية مضاعفة نظراً لموقعها الجغرافي المتقدم على ساحل البحر الأحمر، وبعدها الشاسع عن مناطق السيطرة الحوثية في اليمن، والذي يتراوح بين 850 إلى 1000 كيلومتر. هذا البعد الجغرافي كان يُشكل لسنوات مظلة أمان نسبي، غير أن وصول المقذوفات إلى هناك يثبت تطور القدرات النارية واتساع بنك الأهداف ليشمل العصب الاقتصادي الأعمق للمملكة.
قراءة عسكرية في القدرات المستخدمة
من منظور التخطيط الاستراتيجي العسكري، فإن ضرب مدينة بحجم رابغ من مسافات تتجاوز الألف كيلومتر يتطلب ترسانة متقدمة من الصواريخ متوسطة وبطيدة المدى.
وعلى الأرجح، تشير المؤشرات الفنية للعملية إلى استخدام منظومات صاروخية مطورة، شملت:
- صواريخ باليستية متوسطة المدى من طرازي “طوفان” (Toufan) و”ذو الفقار” (Zulfiqar)، والمعروف بمدياتهما التي تتراوح بين 1350 و1900 كيلومتر.
- صواريخ كروز مجنحة من طراز “قدس-2” (Quds-2)، والتي يتجاوز مداها العملياتي حاجز 1000 كيلومتر، مما يمنحها قدرة فائقة على المناورة وتجاوز منظومات الدفاع الجوي عبر التحليق ال منخفض.
دلالات الموقف وخلاصات الاستشراف
يؤكد هذا التصعيد المتبادل أننا أمام حلقة جديدة من حلقات تأزم الصراع، حيث لم تعد القواعد القديمة للاشتباك قادرة على احتواء التوتر. إن نجاح هذه المنظومات في قطع مسافات شاسعة وضرب عمق استراتيجي مثل رابغ يفرض على منظومات الدفاع والتخطيط الأمني إيقاعاً مغايراً للتعامل مع التهديدات بعيدة المدى، مما ينذر بمرحلة بالغة التعقيد على الصعيدين العسكري والاقتصادي في المنطقة.



إرسال التعليق