انقلاب في العقيدة العسكرية الروسية: قراءة تحليلية في مناورات “المركز-2026”

بقلم العميد: عبد الفتاح نواس بلجي

فوجئت العواصم الأوروبية ودوائر صنع القرار في واشنطن يوم 28 سبتمبر بمشهد عسكري غير مألوف وتطورات ميدانية غير متوقعة، تمثلت في انطلاق النسخة الجديدة من المناورات الاستراتيجية الروسية الضخمة تحت اسم “المركز-2026” (Vostok-2026).

لم تكن المفاجأة مقتصرة على الحجم الجغرافي أو القدرات القتالية المعروضة فحسب، بل امتدت لتشمل هندسة تحالفات جيوسياسية جديدة بالكامل، وإعلاناً رسمياً عن دفن التكتيكات السوفيتية التقليدية، وولادة “عقيدة حرب الاستنزاف التكنولوجية الخاطفة” المستخلصة من لهيب المعارك في أوكرانيا.

أولاً: الزلزال الجيوسياسي.. باكستان ومنغوليا في الخندق الشرقي

بدأت المفاجآت الأوروبية مبكراً مع الإعلان عن قائمة الدول المشاركة، والتي ضمت إلى جانب روسيا كلاً من الصين، بيلاروسيا، باكستان، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، ومنغوليا.

  • التحول الباكستاني: أثار انضمام باكستان قنبلة جيوسياسية مدوية؛ فهي تُصنف تقليدياً كحليف رئيسي لواشنطن خارج حلف الناتو، ويعتمد جيشها هيكلياً على السلاح والتدريب الأمريكي. أن ترى واشنطن القوات الباكستانية تشارك ميدانياً في الجناح الأيسر لعملية هجومية تقودها روسيا والصين لـ “صد عدوان وتدمير عدو محاكي”، فهذا يعني أن إسلام آباد أدارت ظهرها بوضوح للضغوط الغربية وقررت الارتماء في أحضان المحور الشرقي الجديد.
  • كسر عزلة منغوليا: من جانبها، كسرت منغوليا سياستها الانعزالية المعتادة وانضمت للتدريبات، لتجهض محاولات الغرب الحثيثة لاستقطابها بغرض تطويق وعزل روسيا جغرافيا.

ثانياً: تقليص العدد.. وتعويض البشري بالتقنية الصادمة

تُنفذ مناورات “المركز” دورياً كأضخم عرض للقوة العسكرية الاستراتيجية. وقد جرت نسخة هذا العام عبر 11 ميدان تدريب ممتد داخل العمق الروسي إضافة إلى مياه بحر قزوين.

  • التحول العددي: شارك في المناورات أكثر من 47 ألف عسكري، وهو رقم أقل بكثير مقارنة بالنسخ السابقة التي تجاوز فيها عدد الجنود 128 ألفاً. هذا النقص العددي لم يكن عشوائياً، بل تم تعويضه بوسائل تكنولوجية وروبوتية متطورة للغاية، مما يشير إلى تحول استراتيجي في العقيدة الروسية التي تخلت عن الاعتماد المطلق على الكتلة البشرية الكثيفة.
  • السيناريو التكتيكي: تمحور السيناريو الرئيسي حول تعرض دولة حليفة في آسيا الوسطى لهجوم خارجي. ولم يقتصر الأمر على صد الهجوم وتثبيت الوضع، بل شمل الانتقال الفوري لعمليات هجومية واسعة لتدمير قوات العدو، وتحرير الأراضي، وإقامة منطقة أمنية عازلة داخل أراضي الجيران كما تم وصفها.

ثالثاً: جيش الآلات.. المكننة الروبوتية في خط النار الأول

أثبتت مناورات “المركز-2026” أن الروبوتات والمسيرات لم تعد مجرد وسائل دعم استطلاعي أو أسلحة تكميليّة للنخبة، بل أصبحت العنصر الأساسي في خط الهجوم الأول. وقد شهدت الميادين إدخال ترسانة روبوتية مذهلة:

  • روبوتات “كوريير”: مجنزرات صغيرة مجهزة بقاذفات لهب حارقة للمشاة، مُخصصة لاقتحام المخابئ والتحصينات المنيعة وتطهير الخنادق.
  • روبوتات “بوجومول” و”إمبلس”: مسؤولة عن نقل الذخيرة تحت النار المباشرة، وسحب الجرحى، وفتح الثغرات، بجانب روبوتات ميكانيكية تفرش جسوراً مصغرة آلياً لتتمكن المدرعات من العبور فوقها.
  • التحكم عن بُعد: تواجد المشغلون البشريون لهذه الروبوتات في مخابئ محصنة خلفية على مسافة تتراوح بين 3 إلى 5 كيلومترات من خط المواجهة. استخدم الجنود نظارات الواقع الافتراضي وشاشات تعرض بثاً حياً من كاميرات الروبوت الحرارية، لتوجيه النيران واقتحام تحصينات العدو دون تعريض حياتهم لخطر القنص أو القصف.

رابعاً: الأسراب الانتحارية ومفاجآت المعرض السري

شهدت المناورات استخداماً مكثفاً للدرونات الانتحارية والراجمات المتطورة، إلى جانب إطلاق صواريخ باليستية وتكتيكية من طراز إسكندر-إم وراجمات تورنادو، وتشغيل دبابات تي-14 أرماتا. أما المفاجأة الأكبر التي حبست أنفاس الخبراء الأوروبيين فتمثلت في زيارة الرئيس بوتين للمعرض السري المصاحب للمناورات، والذي كشف عن:

  1. الجيل الجديد من درونات “جيران-4 وجيران-5”: وهي طائرات انتحارية تعمل بمحركات نفاثة وليست مروحية تقليدية (مما يعني غياب الصوت المميز)، مع سرعة مضاعفة تصعب رصدها أو اعتراضها من قِبل الدفاعات الجوية، فضلاً عن دمج منظومات حرب إلكترونية محمولة داخل الدرون لتعطيل رادارات الخصم أثناء طيرانه.
  2. منظومة الليزر الحربية “زاريا”: تم اختبار هذه المنظومة المتقدمة ونجحت في تدمير أهداف ومسيرات على بعد 6 كيلومترات بشكل آلي بالكامل، إلى جانب تشغيل شبكات اتصالات عسكرية سحابية مضادة للتشويش.

خامساً: الدلالات الاستراتيجية وموقف حلف الناتو

إن مناورات “المركز-2026” لم تكن مجرد تمرين عسكري روتيني، بل شكلت الإعلان الرسمي عن ولادة عقيدة عسكرية روسية هجينة تجمع بين الدروس القاسية المستفادة من ساحات القتال في أوكرانيا وبين خبرات التصنيع الصينية والغربية المتطورة:

  • شراكة روسية صينية هجومية: تولت القوات الصينية الجانب الأيسر من التشكيلات الهجومية، مما يرى فيه حلف الناتو جرس إنذار مرعب لظهور حلف عسكري شرقي متعدد يتدرب عملياً على خوض حروب نظامية كبرى.
  • تهديد التفوق التكنولوجي الغربي: تعتمد أوروبا وأمريكا بشكل مفرط على التفوق التكنولوجي الجوي والسيبراني. ورؤية الروس يطبقون منظومات قادرة على إعطاب تكنولوجيا الناتو وشل حركتها في ثوانٍ أثبت أن الاحتكار الغربي للتفوق التقني أصبح مهدداً بشدة.
  • رسالة الصمود: نجاح روسيا في تنظيم وإدارة مناورات استراتيجية بهذا الحجم والتعقيد أثناء حرب استنزاف ضارية في أوكرانيا، يوجه رسالة حاسمة بأن موسكو لا تزال في قمة الهرم العسكري العالمي ولا يعتريها الضعف الاستراتيجي كما تتمنى الدوائر الغربية.

خاتمة

باختصار، أسدلت مناورات “المركز-2026” الستار على حقبة التكتيكات التقليدية، معلنة بوضوح أن حروب المستقبل ستعتمد على “ميكنة الاقتحام الروبوتي” واستنزاف الخصوم تقنياً بأقل خسائر بشرية ممكنة. وما جرى في ميادين روسيا لم يكن سوى بروفة حية لخرائط القوة في النظام العالمي الجديد.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك