اعتراف رسمي بالغباء و الجهل و قلة الحيلة
عز الدين عباس
مقدمة
أيتها السيدات والسادة، يا من تمضون لياليكم في تقليب الكتب، وتحليل سياسات الدول العظمى، وحساب أسباب التضخم والفقر والدين العام، وتحترقون بنيران الوعي الحارق؛ قفوا معي قليلاً ودعونا نعلنها مدوية، بلا خجل ولا مواربة: أنا أعترف بالجهل، والغباء، وقلة العقل على رؤوس الأشهاد! نعم، لقد قررت رسمياً الاستقالة من نادي “العباقرة المعذبين”، ورمي شهادة الفهم في سلة المهملات، والالتحاق بصفوف البلهاء الأبطال الذين ينعمون بنوم عميق، وضمير مرتاح، وجيوب وإن كانت فارغة.. إلا أن أعصابهم سليمة ولم تتاكل بعد!
أولاً: عذاب الفاهم.. لماذا الذكاء مقبرة للأعصاب؟
تخيلوا معي لو أنكم تركتم عقولكم تعمل بكفاءة، وراقبتم العالم من حولكم:
- سترون كيف ترتفع الأسعار بينما المرتبات تغوص في الرمال المتحركة.
- ستدركون كيف تُتخذ القرارات الكبرى في الغرف المغلقة لتسحق رؤوس البسطاء.
- ستكتشفون أن نصف ما تقرؤونه في الصحف وتسمعونه في الفضائيات هو عبارة عن “هواء محترم” يُباع للناس في أكياس ملوّنة.
هذا الفهم المستمر هو “جهنم الصغرى” التي يحيا فيها المثقفون والمتعَبون. الذكاء هو المرض المزمن الذي يجعلك ترى الحفرة قبل أن تقع فيها، فتقضي حياتك كلها وأنت تمشي على أطراف أصابعك مرعوباً من السقوط. أما الغبي الحقيقي؟ إنه يمشي بثقة تامة، يقع في الحفرة، فيجلس في قاعها يغني ويأكل “ساندويتش جبنة”، غير عابئ بكل كوارث الكون!
ثانياً: مزايا الغاء العقل.. كيف تعيش بـ “مخ فاضي” وسعادة غامرة؟
حين تعلن براءة ذمتك من التفكير المعقد، وتختار “الغباء المريح”، ستكتشف فوراً فوائد إلهية لا تقدر بثمن:
- راحة البال التامة: لن تقلق بعد اليوم بشأن مستقبل الأجيال القادمة، ولا سعر صرف العملة، ولا انهيار البورصات؛ فكل هذه المصائب تصبح في نظرك مجرد “أشكال هندسية غير مفهومة” لا تخصك في شيء.
- إلغاء التفكير النقدي: حين يتحدث أحدهم عن خطط استراتيجية كبرى أو وعود وهمية، بدلاً من أن تتعب عقلك في تكذيبه وتحليله، ستكتفي بهز رأسك بابتسامة بلهاء وتقول: “الله أعلم، كله لخير!”. هذه الجملة السحرية وحدها توفر عليك 90% من جلطات الدم المحتملة.
ثالثاً: حصانة ضد الصدمات.. “الغباء درع واقٍ”
الناس الأذكياء دائماً يتعرضون للصدمات؛ لأن توقعاتهم عالية، ولديهم معايير صارمة للعدالة والمنطق والجمال.
- أما المبرمجون على “وضع الغباء”، فليس لديهم أي توقعات أصلاً. إذا هبط عليهم رغيف خبز فرحوا به، وإن مُنع عنهم تعايشوا مع الجوع بصدر رحب.
- هم لا يصدمهم كذب السياسيين، ولا جشع التجار، ولا عبث الأيام؛ لأنهم ببساطة لا يربطون الأحداث ببعضها. الحياة بالنسبة لهم عبارة عن “سلسلة من المفاجآت العشوائية”، تماماً مثل حظيرة غنم سعيدة لا تدرك متى يأتي دورها في الجزارة، وتكتفي بقضم الحشيش الأخضر حتى اللحظة الأخيرة!
خاتمة
لذلك، ومن هذا المنبر، أعلن توبتي النصوح عن محاولة فهم هذا العالم المعقّد. أتنازل عن كل حبة ذكاء ورثتها، وأعلن أنني “غبية، جاهلة، وقلة عقلي تزن جبالاً”. أريد فقط أن أعيش بسلام، آكل ما تيسر، وأنام بعمق، وأضحك على تفاهات الحياة بلا عذاب ضمير.
أيتها العقول المضيئة والمعذبة.. ابقوا في قمم جبال وعيكم وحيدين، أما أنا، فساحجز مقعداً وثيراً في الصف الأول من مملكة الأغبياء السعداء، فهناك الهواء ألطف، والأعصاب أهدأ، والجنة بالطبع.. مليئة بالمبتهجين!



إرسال التعليق