تقييم مورينيو في الكلاسيكو

فلسفة الكلاسيكو وعقيدة مورينيو: حين يُكتب الحسم في الدقائق الأخيرة

هذه هي كرة القدم، وهذا هو الكلاسيكو؛ تسعون دقيقة وحدها تملك صك الحسم، وكل كلام يسبق صافرة النهاية أو يتخلف عنها يعد سابقاً لأوانه. لقد قدم ريال مدريد وبرشلونة ملحمة كروية معقدة؛ فيمكننا القول ببساطة إن ريال مدريد الجيد فاز على برشلونة الضعيف، وفي الوقت ذاته، كان بمقدور برشلونة الضعيف أن يخطف الفوز من ريال مدريد الجيد. ولكن، على طريقة جوزيه العريقة، فعلها ريال مدريد بحنكة الكبار.

أولاً: أبطال الظل ولحظات الحسم الفاصلة
في مثل هذه المواجهات الكبرى، تتحدد مصائر النقاط بتفاصيل صغيرة وومضات فردية تصنع الفارق:

أندري لونين.. الضيف غير المتوقع: تحول إلى بطل فوق العادة حين منع هدف التقدم الثاني لبرشلونة في لحظة حرجة. أعتقد أن هذا التدخل البطولي كان الحد الفاصل الذي أعاد رسم شكل المباراة وأبقى الملكي حياً في اللقاء.

جود بيلينجهام.. قتالية الميدان: قدّم كلاسيكو كبيراً، بدقائق مذهلة ومردود بدني عملاق، وتوج جهده بصنع لقطة اللقاء الحاسمة في اللحظة التي بدا فيها برشلونة مسيطراً وقريباً جداً من حسم النقاط.

إدواردو كامافينغا.. ورقة الربح الذكية: قدّ تصرفاً تكتيكياً من الطراز الرفيع في منطقة الهجوم، تلك المساحة الحساسة التي نادراً ما يطؤها، ليبرهن على قيمة التبديلات المدروسة.

كيليان مبابي.. الحاسم المطلق: وإن ظهر أثقل حركةً من المعتاد، إلا أنه صُنع من خامة الأبطال؛ فقد صنع هدفي فوز فريقه، وهذا تماماً ما يُطلب من النجم الكبير: أن يكون حاسماً دون جدل.

ثانياً: فخ التعادل وفلسفة “إن لم تفوز فلا تخسر”
عندما تعادل الفريقان (1-1) بعد مباراة متوسطة الأداء من جانب برشلونة، ألقى الفريق الكتالوني بنفسه نحو الهجوم بحثاً عن الفوز وكأنه يثق بقدرته على خطفه، بينما آثر ريال مدريد التراجع خطوة إلى الخلف لإصلاح الصفوف.

هنا تتجلى الحكمة الكروية القديمة: “إن لم تستطع الفوز، فلا تخسر”. خصوصاً حين تواجه منافساً يعيش على اقتناص الأخطاء أفضل من أي شخص آخر، فهو لا يغفر لك هفوة التمركز أو الاندفاع الأعمى.

وقد كان قرار مورينيو بإشراك برناردو سيلفا وأردا غولر معاً مغامرة تنبض بروح كرة القدم الحقيقية، وقد أنصفه الأداء الميداني بمرور الوقت. في المقابل، لم يشعر برشلونة بالراحة في وسط الملعب إلا مع دخول فرينكي دي يونغ الذي أضاف عمقاً وعدّل الإيقاع، لكن ريال مدريد كان يدرك تماماً أن هذه معركته الكبرى: إما حصد النقاط الثلاث بالكامل مع تأكيد الأفضلية، أو فرض الهيمنة المطلقة على مسار المنافسة.

ثالثاً: قسوة الدقائق الأخيرة وسقوط فليك
لماذا تأتي الأهداف القاتلة في النهايات دائماً؟ لأنها لحظة الأخطاء بامتياز؛ فهناك تبديلات كثيرة، ولاعبون منهكون، وآخرون في قمة النشاط البدني. ومن هنا جاء الخطأ القاتل من البديل المتأخر غابرييل جيسوس، تزامناً مع التصرف المذهل للورقة الناجحة كامافينغا.

وبما أن المباريات الكبرى تُحسم غالباً بين الدقيقتين السبعين والتسعين، وتعتمد بشكل كلي على الفريق الأكثر لياقة وقدرة على الصمود الذهني والبدني —وهو الدرس الذي يرفض المدرب هانز فليك استيعابه— فقد حسم ريال مدريد فوزه المستحق بجدارة.

ختاماً.. أبعاد معنوية تلقي بظلالها على الليغا
لا برشلونة كان سيحسم لقب الدوري في شهر أكتوبر، ولا ريال مدريد كان سيخسره لو سارت الأمور عكس ذلك، فالدوريات الطويلة جوائز لمن يملك نفساً طويلاً وانتظاماً دائماً.

غير أن فوز الريال بهذه الطريقة البطولية، وسط سلسلة نتائجه الرائعة وفي ظل خذلان برشلونة لنفسه في أسبوعه الحاسم، قد يتحول إلى سلاح معنوي ذي حدين: يرفع من سماء المعنويات الملكية إلى أعلى المراتب، ويخفض من أسهم الغريم الذي هزّت صورته مجدداً أمام جماهيره في موقعة كبرى!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك