بعد سنوات طويلة اكتشفت أن أبي كان المظلوم الوحيد!

هناء حلمي

تعالوا نهدئ من روع المعارك اليومية، ونغلق باب “حرب الجميع ضد الجميع” لفترة قصيرة، لنجلس على رصيف الذاكرة ونفتح صفحة قديمة ومؤلمة طال إغلاقها.

بعد سنوات طويلة من الصراع، وبعد أن خضنا بأنفسنا آلاف المساومات، وذقنا مرارة استغلال الآخرين، وتجرعنا كؤوس خيبة الأمل من هذا العالم الواسع.. توصلتُ إلى الحقيقة الأكثر قسوة وحزناً على الإطلاق: أبي كان المظلوم الوحيد في هذه القصة!

براءة الأب المغدورة في المحكمة العائلية الكبرى

طوال فترة الطفولة والمراهقة، كنا ننظر إلى آبائنا بمنظور “الجلاد المعتاد”. كنا نراهم تلك الكائنات الصارمة التي ترفض تلبية طلباتنا التافهة، وتفرض القواعد، وتصرخ بسبب فاتورة الكهرباء، وتبدو وكأنها تمثل “السلطة الغاشمة” داخل جدران البيت.

كنا نعاتبهم على صمتهم، ونستخف بتعبهم، ونظن أنهم ولدوا هكذا: بوجوه عابسة، وأكتاف منثنية، وأحذية قديمة يصرون على إصلاحها بدلاً من شرائها جديدة. كنا نلومهم لأنهم لم يكونوا أبطالاً خارقين كما في الأفلام، ولأنهم لم يمنحونا حياة رفيعة تليق بأحلامنا السذجة.

ولكن.. ما إن كبرنا، ودخلنا بأنفسنا إلى معمعة الحياة الحقيقية، وصدمتنا جدران الواقع، وتذوقنا طعم المسؤولية، حتى سقط الغطاء عن العيون!

اكتشاف الحقيقة المريرة بعد فوات الأوان

عندما تحملنا جزءاً يسيراً من هموم إيجار البيت، وفواتير العلاج، ومصاريف الغد المجهول، أدركنا فجأة ما كان يعانيه ذلك الرجل بصمت طبقية كبرى:

  1. كان يحارب وحده: أدركنا أنه كان يخرج صباح كل يوم ليخوض “حرب الجميع ضد الجميع” في الشارع، ليعود في المساء محاملاً بالطعنات والديون، مكاتماً لكل وجعه لئلا يفسد علينا صفو طفولتنا.
  2. كان يدفع ثمن طيبتنا: كان يحرم نفسه من أبسط حقوقه، ليرى الابتسامة على وجوهنا، بينما كنا نحن نعتبر تضحياته أمراً مسلماً به، بل ونحاسبه أحياناً على التقصير!
  3. صمت الضحية الأبدي: الأقسى من ذلك كله، أنه لم يكن يشكو. كان يبتلع مرارة الاستغلال اليومي، ويقبل بالتنازلات الصغرى والكبرى (نعم، مساومات الشرف واللقمة التي تحدثنا عنها)، فقط لكي يضمن لنا سقفا يظللنا وخبزاً يسد رمقنا.

متى نكتشف الحقيقة؟ دائماً متأخرين!

المأساة الحقيقية في علاقتنا بآبائنا، أننا لا ندرك حجم تضحياتهم إلا بعد أن يرحلوا، أو بعد أن نصبح نحن أنفسنا “آباء وأمهات” ونتذوق نفس الكأس المر. ننظر في المرآة يوماً فنرى تجاعيد وجوهنا تشبه تجاعيد وجوههم، ونشعر بنفس الثقل الهائل على الأكتاف، فنصرخ بندم متأخر: “آه، كم كنا أغبياء وجاحدين.. وكم كان مظلوماً بيننا!”.

لذا يا سادة، إن كان آباؤكم ما زالوا على قسط من الحياة، اذهبوا إليهم الآن، اتركوا كبرياءكم، وقبلوا أيديهم المتعبة، واعتذروا لهم عن كل مرة ظننتم فيها أنهم لم يكونوا كافيين.

وإن كانوا قد رحلوا إلى دار الحق، فاكتفوا بالدعاء لهم، وقولوا في أسرار قلوبكم: “عذراً يا أبي.. لقد عرفتُ كم كنتَ وحيداً ومظلوماً.. بعد أن أكلتني الذئاب!”.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك