الجنرال الذي درب قوات الكومنذوز بنفسه

عميد جنرال عبد اللطيف نواس بلجي

في زحمة التاريخ العسكري الحديث، تُروى الكثير من البطولات عن حرب أكتوبر المجيدة، لكن الأقدار تخفي خلف أستارها فصولاً مذهلة من الاستبسال والتخطيط الاستراتيجي العبقري الذي سبق معركة العبور بأعوام. وربما ما لا يعرفه كثيرون، أن الفريق سعد الدين الشاذلي — العبقري العسكري الذي هندس خطة العبور — لم يكن مجرد قائد مكتفٍ بالخرائط والدراسات النظرية، بل كان العقل المدبر والمخطط المباشر لعمليات صاعقة نوعية وموجعة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في عمق خط بارليف الحصين، في مرحلة حرب الاستنزاف التي أعادت للأمة كرامتها.

وتجلي شهادة اللواء محمد أحمد التميمي — أحد أبطال وقادة رجال الصاعقة المصرية الأشاوس — جانباً من هذه العمليات التي غيرت مجرى الصراع وأربكت حسابات القيادة الإسرائيلية بالكامل.

صانع المعجزة في الظل: هندسة الغارات الجريئة

تشير شهادة اللواء التميمي إلى أن الفترة ما بين سبتمبر إلى ديسمبر 1969م شهدت مخاضاً عسكرياً سرياً وخاصاً؛ حيث عكف اللواء سعد الشاذلي (الذي كان قائداً لقوات الصاعقة وقتها) على التخطيط الدقيق، وتدريب نخبة من الضباط والجنود المصريين بأساليب قتالية غير تقليدية، ترتكز على عنصر المفاجأة، والضرب السريع، والاختراق العميق لخط بارليف الحصين الذي زعمت إسرائيل أنه لا يُقهر.

ولم تذهب تلك التدريبات الشاقة سدى، ففي 30 مايو 1970م، حصدت القوات المصرية ثمار ذلك التخطيط العبقري من خلال تنفيذ عمليتي إغارة فدائيتين جرئتين وخلف خطوط العدو في سيناء، لتكشفا عن عورة الدفاعات الإسرائيلية:

  1. العملية الأولى: شنتها “الكتيبة 83 صاعقة” بمهارة فائقة واقتحام صاعق، وأسفرت عن مقتل 35 جندياً إسرائيلياً، فضلاً عن أسر اثنين من أفراد “لواء جولاني” النخبوي الإسرائيلي، في ضربة موجعة أحدثت صدمة مدوية في تل أبيب.
  2. العملية الثانية: استهدفت تدمير إحدى النقاط الحصينة التابعة للواء 135 مشاة داخل خط بارليف، وأسفرت عن مقتل 13 إسرائيلياً وأسر جندي إضافي، مع إحداث خسائر فادحة في التحصينات والعتاد.

الهلع في تل أبيب: حين سقطت أسطورة خط بارليف

لم تكن هذه الخسائر مجرد أرقام في تقارير عسكرية عابرة، بل كانت ضربات قاصمة هزت الكيان الإسرائيلي من أساسه. فقد أثبتت هذه العمليات أن التحصينات الإسمنتية والمانع المائي المزعوم لم تكن سوى أوهام حماية سقطت تحت أقدام رجال الصاعقة المصرية المدربين بعقيدة قتالية لا تعرف المستحيل.

كان وقع هذه العمليات مدوياً لدرجة أن رئيسة وزراء الاحتلال آنذاك، جولدا مائير، وجدت نفسها في حالة هلع حقيقي، مما دفعها إلى الاستغاثة العاجلة بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، طالبة التدخل الفوري لإنقاذ الموقف العسكري المتداعي على جبهة القناة.

ولم تكن تلك الاستغاثة سوى السبب المباشر وراء سارع الإدارة الأمريكية إلى تقديم “مبادرة روجرز” الشهيرة في عام 1970م لوقف إطلاق النار، في محاولة يائسة لإنقاذ إسرائيل من حرب استنزاف طاحنة كانت ستأتي على ما تبقى من هيبتها العسكرية.

إن ما قام به سعد الشاذلي ورجاله في حرب الاستنزاف يثبت أن الانتصارات العظمى لا تُصادف صدفة، بل تُصنع في معسكرات التدريب بعرق الرجال، وبدقة التخطيط، وبإيمان راسخ بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.

ستبقى تلك العمليات الصاعقة وساماً على صدر العسكرية المصرية، ودليلاً دامغاً على أن العقول الاستراتيجية الكبيرة مثل سعد الشاذلي هي التي تضع حجر الأساس لكل نصر تليد!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك