خلفيات قرار قطع العلاقة مع الامارات
رشيد مصباح (فوزي)
قبل خمس سنوات، وتحديدًا في 30 يوليو 2021، كتبتُ مقالًـا عن الدور الذي كنتُ أراه للإمارات العربية المتحدة في المنطقة العربية، وفي عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وخصوصًا موقفها من التحوّلات التي عرفتها بلدان ما سُمّي بـ«الربيع العربي»؛ كان ذلك في زمن الحراك الشعبي الجزائري، حين خرج ملايين الجزائريين إلى الشوارع مطالبين بالتغيير.
وبعد مرور خمس سنوات، وجدتني أعود إلى ذلك النص القديم، لأن الأحداث التي تلت ذلك أعادت بعض الأسئلة التي طرحتها آنذاك إلى الواجهة، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا؛ فقد أعلنت الجزائر، في 10 سبتمبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، بعد أن قالت إنها استنفدت كل الوسائل الممكنة للحفاظ على العلاقات الثنائية، واتهمت أبوظبي بأعمال وصفتها بأنها «استفزازية أو عدائية». أما الإمارات فأبدت أسفها للقرار وأعربت عن أملها في أن يكون مؤقتًا.
وهكذا لم يعد السؤال الذي طرحته قبل خمس سنوات مجرّد سؤال عابر في مقال رأي عن تجاوز الإمارات حدود ما تسمح به طبيعة الدولة وحجمها، عندما يتحوّل النفوذ الاقتصادي والمالي والإعلامي إلى نفوذ سياسي وأمني يتجاوز الحدود، وعندما تصبح الدولة الصغيرة لاعبًا حاضرًا في ملفات تفوق بكثير مجالها الجغرافي المباشر.
وخلال السنوات التي تلت ذلك، اتسعت أدوار الإمارات في عدد من الملفات العربية والإفريقية، من ليبيا واليمن والسودان إلى القرن الإفريقي والساحل، بالتوازي مع شبكة واسعة من العلاقات والاستثمارات والتحالفات.
وقد لا يكون من الإنصاف تفسير كل هذه التحركات باعتبارها مؤامرة واحدة متكاملة، لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن أبوظبي أصبحت لاعبًا إقليميًا له حساباته الخاصة، وأن سياستها الخارجية لم تعد اقتصادية بحتة، بل أصبحت ذات أبعاد سياسية وأمنية وجيوسياسية واضحة،وهنا تحديدًا تكمن المسألة.
الجزائر والإمارات… من التباين إلى القطيعة
لم تأتِ القطيعة الجزائرية الإماراتية، بحسب ما توحي به التطورات الأخيرة من فراغ، فقد تراكمت خلال السنوات الماضية خلافات حول عدد من الملفات، من ليبيا والساحل إلى العلاقات مع إسرائيل والمغرب، وصولًـا إلى قضية الصحراء الغربية.
وفي ملف الصحراء الغربية تحديدًا، تقف الجزائر والإمارات اليوم في موقعين متباعدين؛ فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتتمسّك بموقفها المعروف من القضية، بينما دعمت الإمارات الموقف المغربي وافتتحت قنصلية لها في الصحراء الغربية. وهذا الخلاف ليس تفصيلًـا دبلوماسيًا صغيرًا بالنسبة إلى الجزائر؛ فالصحراء الغربية بالنسبة إليها ليست مجرد نزاع حدودي بعيد، وإنما قضية ترتبط بتاريخ المنطقة وأمنها القومي وتوازناتها المغاربية والإفريقية.
ثم جاء العامل الآخر: الساحل الإفريقي.
فالمنطقة الواقعة جنوب الجزائر لم تعد هامشًا جغرافيًا بعيدًا يمكن تجاهله. إنها فضاء أمني واستراتيجي بالغ الحساسية، وقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة مسرحًا لتنافس قوى إقليمية ودولية متعددة. ومع اتساع الحضور الإماراتي في إفريقيا والساحل، أصبحت المصالح الجزائرية والإماراتية تتقاطع بصورة أكبر، وهو ما جعل مساحة التفاهم أضيق ومساحة الشكوك أوسع. وتشير تحليلات حديثة إلى أن توسّع الحضور الإماراتي في الساحل أصبح أحد عناصر التوتر في الحسابات الجزائرية.
هل كانت أسئلة 2021 في محلها؟
هنا أعود إلى النص الذي كتبتُه قبل خمس سنوات.
كنتُ قد كتبتُ يومها، وبلهجة أكثر حدّة مما أكتب اليوم، عن الدور الإماراتي في دعم أنظمة سياسية عربية، وعن تدخّلها في ملفات «الربيع العربي»، وعن مواقفها من مصر وليبيا واليمن وتونس والسودان، وعن علاقتها المتنامية بقوى إقليمية ودولية.
وقد يختلف القارئ معي في بعض تلك الأحكام، وقد يرى بعضها مبالغًا فيه، وهذا حقه.
أما أنا، فقد كنتُ أكتبُ من موقع مواطن جزائري رأى في «الحراك الشعبي» فرصة تاريخية للخروج من مرحلة سياسية استمرّت طويلًـا، وكان يخشى، كما كان كثيرون يخشون، من تدخّل القوى الإقليمية والدولية في مسار ذلك الحراك.
ولذلك لم يكن سؤالي يومها عن الإمارات وحدها، بل كان بعض الأنظمة التي تخاف من الديمقراطية حين تصبح مطلبًا شعبيًا حقيقيًا.. وعن تحوّل إرادة الشعوب، في حسابات بعض القوى، إلى خطر ينبغي احتواؤه، بدل أن تكون حقًا ينبغي احترامه؟
من الحراك الجزائري إلى قطيعة 2026
أما اليوم، وبعد خمس سنوات، فقد تغيّرت أشياء كثيرة؛ تغيّرت التحالفات، وتبدّلت الأولويات، واتّسعت دائرة الصراع على النفوذ، وأصبح الساحل الإفريقي واحدًا من أهم ميادين التنافس الإقليمي.
والجزائر، التي كانت تراقب هذه التحولات من موقعها الجغرافي والاستراتيجي، تجد نفسها اليوم أمام واقع إقليمي جديد لا يسمح لها بأن تنظر إلى ما يجري جنوب حدودها أو غربها باعتباره شأنًا بعيدًا عنها.
ولذلك فإن قطع العلاقات مع الإمارات، مهما اختلفنا حول أسبابه التفصيلية، لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي الأوسع. فالبيان الجزائري لم يسمِّ حادثة واحدة باعتبارها السبب الوحيد، وإنما تحدّث عن تراكم أفعال اعتبرتها الجزائر استفزازية وعدائية، وقال إن كل وسائل الحفاظ على العلاقة قد استُنفدت. وهذا يعني أن المسألة، على الأرجح، ليست وليدة يوم واحد، وإنما هي حصيلة مسار طويل من التباعد السياسي وتضارب المصالح والحسابات الاستراتيجية.
وماذا عن الجاليتين؟
لكن بعيدًا عن لغة البيانات الرسمية وحسابات الدول، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية:
ماذا عن الجاليتين الجزائرية والإماراتية؟
ماذا يعني قطع العلاقات بالنسبة إلى الجزائريين المقيمين في الإمارات، وخاصة الذين يعملون هناك منذ سنوات وبنوا حياتهم وأعمالهم على أساس الاستقرار؟
هذا السؤال يشغلني شخصيًا، لأن لي أصدقاء مقيمين هناك، وأتساءل عن الصعوبات المحتملة التي قد يواجهونها: هل يمكن أن تتأثر أوضاع الإقامة والعمل، أو إجراءات السفر والتنقل، أو بعض المصالح التجارية والمالية؟
وماذا عن الجالية الإماراتية في الجزائر ومصالحها واستثماراتها؟
صحيح أن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة أن هذه الأمور ستتغيّر تلقائيًا، وقد تحرص الدول على حماية مصالح مواطنيها والفصل بين الخلاف السياسيّ وحياة الناس اليومية.
لكن السؤال يبقى مشروعًا:
إلى أي حد يستطيع المواطن العادي أن يبقى بعيدًا عن تداعيات خلاف سياسي بين دولتين؟
فالحكومات قد تختلف وتقطع العلاقات، لكن خلف هذه القرارات بشرٌ يعيشون ويعملون، ولا ينبغي أن يتحوّلوا إلى ضحايا لخلافات لم يكونوا طرفًا فيها.
ليست المشكلة في صغر الدولة… بل في اتساع الدور
قد تكون الإمارات دولة صغيرة من حيث المساحة والسكان مقارنة بالقوى الكبرى، لكنها نجحت في بناء نفوذ يفوق بكثير حجمها الجغرافي. وليس في ذلك، في حد ذاته، ما يدعو إلى الاستغراب؛ فحجم الدولة لا يحدّد بالضرورة حجم تأثيرها، وقد استطاعت دول صغيرة في التاريخ أن تلعب أدوارًا تفوق إمكاناتها الجغرافية بكثير. لكن المسألة تبدأ عندما يتحوّل النفوذ إلى تدخّل، وعندما يصبح المال والاستثمار والإعلام أدوات لصناعة النفوذ السياسيّ والأمنيّ خارج الحدود، وعندما تتّسع دائرة الأدوار إلى درجة تجعل الدولة الصغيرة طرفًا حاضرًا في أزمات وصراعات تتجاوز مجالها الطبيعي.
قبل خمس سنوات كتبتُ عن الإمارات وأنا أراقب الحراك الجزائري من الداخل، واليوم أعود إلى ذلك النص بعدما وصلت العلاقات بين الجزائر وأبوظبي إلى القطيعة الدبلوماسية. ولا يعني ذلك أن كل ما كتبتُه يومها كان صائبًا، ولا أن الأحداث أثبتت بالضرورة جميع أحكامي. لكن بعض التطورات تجعل العودة إلى الأسئلة القديمة أمرًا مشروعًا؛ فالمسألة في النهاية ليست في حجم الدولة بقدر ما هي في حجم الدور الذي تختاره لنفسها، وفي حدود تأثيرها في محيطها: فمن يتحمّل كلفة صراعات النفوذ، وهل يبقى المواطن بعيدًا عن آثارها؟



إرسال التعليق