تصنيف الجرائم الالكترونية

زيد نائل العدوان
كاتب

تتميز الجريمة الالكترونية بعدة خصائص تميزها عن الجريمة العادية؛ وذلك لإنها جريمة مستحدثة وغير تقليدية، هذا بالإضافة أنها جريمة يتم ارتكابها وفق معايير عالية، ولذلك، فإننا يمكننا أن نعدد خصائصها فيما يلي:

  1. أنها جريمة خفية: فهذه الجريمة من الصعب الكشف عنها أو ربما حتى يتم اكتشافها بالصدفة؛ لإن الجاني عادة ما يعمل على إخفاء آثار هذه الجريمة وتضليل اكتشافها بنسبة عالية، هذا غير أن المجني عليه كذلك لا يمتلك القدرات التقنية اللازمة التي تؤهله لاكتشاف هذه الجريمة، بل حتى ربما المجني عليه لا يريد الكشف عن هذه الجريمة لكي لا تهتز سمعته الاجتماعية في حال أذيعت هذه الجريمة أو انتشر خبرها.
    أيضًا، فإن المجني عليه قد لا يشتكي على المجرم أو الجاني لإنه يعلم في كثير من الأحيان (خصوصًا بدول العالم الثالث) أن الشكوى لن ينتج عنها شيئًا، أو ربما مهارة الجاني تتجاوز مهارة سلطات التحقيق في إخفاء آثار جريمته، وهذا مما نراه في دول العالم الأول المتقدمة، يعني، وبصيغة مختصرة، عادةً ما يكون من الصعب أن يُضبَط المجرم الالكتروني؛ لمهارته التقنية البالغة في استعمال الفضاء الالكتروني، ولذلك، تكون هذه الجريمة عادةً جريمة خفية تمارس خلف أنظار العالم.
  2. تطور هذه الجريمة الالكترونية:
    وهذه خاصية مهمة تتميز بها الجريمة الالكترونية، إذ أنه بسبب هذه الخاصية عادةً ما يفلت المجرمون الالكترونيون من الملاحقة الالكترونية؛ لإن نصوص القانون لم تتناول جريمتهم بالحسبان؛ فالقانون من الصعب تعديله والإضافة إليه في غالب الأحيان، وهذه الجرائم تتطور بسرعة هائلة وبالغة، فبالتالي من الصعب على القانون أن يغطي كل حالات هذه الجرائم وكل الأمور المتعلقة بها، مما يسهل على المجرم الإلكتروني أن يفلت من قبضة العدالة.
    ولكن ومع ذلك، فإنه ما يزال حق أصيل للمجتمع بملاحقة هؤلاء المجرمين ومعاقبتهم؛ للأضرار الهائلة التي يتسببون بها، وبالتالي، فإن المؤلف يوصي بأن تكون هناك مرونة أكثر في تعديل القوانين المتعلقة بالجرائم الالكترونية، وبأن يصدر التجريم للأفعال الغير مشروعة التي تُرتَكب في الفضاء الالكتروني بنظام لا بقانون؛ لكي يكون تعديله أسهل وأسرع.
  3. صعوبة اكتشاف هذه الجريمة الالكترونية:
    وهذا يرجع لأسباب عدة، منها مثلًا أن الجاني عادة ما يكون مجهول وغير معروف، وأن الكشف عنه يحتاج لتقنيات حديثة ومتطورة؛ فالجاني عادةً -كما سلف القول- تكون لديه مهارات تقنية متطورة يستعملها في تضليل أثره بل ومحوه حتى، هذا غير أن الفعل نفسه (الجريمة الالكترونية) لا يحتاج لوقت طويل لارتكابه مما يصعب الأمر في اكتشافه، فالجاني بغضون ثواني يكون قد ارتكب الجرم على المستوى المادي.
    وقد قلنا سابقًا أن الجاني وبسبب مهاراته التقنية العالية يعمل على محو أثره، ولكن وفي كثير من الحالات فإن غباوة الجاني/ سهوه يعمل على كشف الغطاء عن جريمته بشكل أكبر مما تعمل الملاحقة الجزائية على ذلك، فربما ينسى الجاني محو أثره، أو ربما حتى لا يمتلك المهارات التقنية التي تمكنه من محو أثره، مما يسهل عملية تعقبه واكتشاف جريمته وتقديمه للعدالة الجزائية.
  4. الجريمة الالكترونية واسعة الانتشار:
    بمعنى أن أطراف الجريمة الالكترونية عادةً ما يكونون ببلدان مختلفة، فالمجرم قد يكون مثلًا بألمانيا والضحية قد تكون بالجزائر، وهكذا فهي تختلف عن الجرائم التقليدية من حيث وحدة المكان؛ أي من حيث أن المجرم والضحية يجب أن يكونا بمكان واحد حتى تقع الجريمة، مثل جريمة القتل، فالجاني والضحية يشترطان أن يكونا في موقع واحد لوقوع الجريمة، لكن بالنسبة للجريمة الالكترونية فهذا الأمر يختلف، إذ أنه كما أسلفت القول من الممكن أن يكون الجاني ببلد والضحية ببلد آخر؛ لإنه ومع انتشار الانترنت أصبح ربط الأجهزة ببعضها البعض سهلًا وغير ممتنع.
    وبسبب امتداد الجريمة الالكترونية من بلد لبلد، فإنها تخضع للقانون الدولي الخاص، وهو القانون الذي يحدد المحكمة صاحبة الصلاحية في محاكمة المجرم/ الضحية، فمثلًا، لو اُرتُكِبَت جريمة في الأردن من قبل الجاني وكان الضحية في المغرب، فهل المغرب صاحبة الاختصاص بنظر الدعوى الجزائية المرفوعة من قبل الضحية أم الأردن هي صاحبة الاختصاص، فعليًا، نحن نلجأ في هذا الأمر لشيء يسمى قواعد الإسناد أو بشكل أوسع ما يسمى بـ(القانون الدولي الخاص)؛ وذلك لتحديد المحكمة المختصة بنظر الدعوى.
    وبالغالب الأعم، ينطبق قانون الجاني على الجريمة الالكترونية، وهو ما يسمى بالاختصاص الإقليمي، بمعنى أننا ننظر إلى جنسية الجاني، ومن ثم نسند الاختصاص إلى البلد الذي ينتمي له الجاني، ففي حال كان الجاني أردني وكان المجني عليه فرنسي، فإن المحكمة المختصة بنظر الدعوى هي المحكمة الأردنية؛ لإن الأردن هو البلد الذي ينتمي له الجاني.
    ومن الجدير بالذكر أن هذا التصنيف معتمد دوليًا، بل حتى أن الفقه يعتمد عليه ويصنف الجرائم وفقه؛ بحيث يتم تقسيم هذه الجرائم إلى:
  5. الجرائم الماسة بقيمة معطيات الحاسب الآلي.
  6. وهنالك تصنيف آخر يتعبه الفقهاء القانونيين الأمريكيين في الجرائم الالكترونية، وهو تصنيفها تبعًا لمساسها بالأشخاص أو بالأموال، بمعنى آخر، هنالك جرائم تمس كرامة الأشخاص وحقوقهم وذاتهم مثل جريمة التحرش أو جريمة الابتزاز بصور الكترونية فاضحة، وهنالك جرائم تمس المراكز المالية للأشخاص وليس ذواتهم أو كرامتهم الشخصية مثل جرائم اختراق الحسابات البنكية وغير ذلك من الجرائم، ولذلك، وبنظر المؤلف، يعد هذا التنصيف تصنيفًا منطقيًا ومختصرًا وشاملًا؛ لإننا لو أردنا أن نصنف الجرائم وفق الوسيلة/ الهدف فلن ينفع ذلك؛ لإنه كما أسلفنا الجرائم كلها يُستَعمل بها الحاسوب كوسيلة ويكون هدفها السيطرة على معلومات، فمن الصعب فصلهما عن بعضهما البعض.
    أيضًا، من الصعب تحديد نطاق الجرائم وتصنيفها بناءً على محلها، إذ أن المحل يتعدد ويختلف من جريمة لأخرى، فجريمة قد تقع على الحساب البنكي، وجريمة أخرى قد تقع على المال المنقول، وأخرى على المال الغير منقول، فلو اعتمدنا هذا التنصيف لعددنا ما يتجاوز 50 نوعًا من الجرائم الالكترونية بل أكثر
    ولكن، ومن الجانب الآخر، فإنه يمكننا فصل الجرائم التي تقع على الأموال والجرائم التي تقع على الأشخاص؛ لإن المجرمين الالكترونيين عادةً ما يستهدفون إما الأشخاص وإما الأموال.
    وحسب المعيار الأمريكي في هذا التنصيف، فإن الجرائم تُقسَم بالتحديد على الطريقة التالية:
  7. الجرائم الواقعة على الأشخاص.
  8. الجرائم الواقعة على الأموال.
  9. جريمة السرقة والاحتيال.
  10. جرائم التزوير والمقامرة والمنافية للآداب.
  11. الجرائم الماسة بالمصالح الحكومية.
    وبوجهة نظر المؤلف، فإن هذه التقسيم أعادنا مرة أخرى لإشكالية المحل، إذ أنه إذا أردنا أن نقسم وفق المحل كما أسلفنا سابقًا، سنصل إلى أكثر من 50 تقسيم، لذلك، فإن المؤلف يقترح تقسيم آخر التقسيم وفق الضرر، أو التقسيم وفق الحقوق، فالتقسيم وفق الضرر يعني أن أجعل الأفعال الالكترونية التي تسبب ضررًا للآخرين ومساسًا بحقوقهم المشروعة غير شرعية ومجرمة وفق القانون، بينما الأفعال الالكترونية التي لا تسبب ضررًا لحقوق الآخرين أجعلها كمشرع قانوني مسموحة وقانونية، فبناءً على هذا التقسيم يمكنني تعريف الجريمة الالكترونية وتمييزها عن غيرها، كما يمكنني أن أصنف الأفعال الالكترونية إلى (جريمة/ غير جريمة).

إرسال التعليق