لماذا فقدنا النّية؟: سيكولوجية الجفاء وتحولات الوجدان الجمعي

كريمة حسناوة

كانت “النّية” في بيوتنا وأسواقنا ومجالسنا تشبه الهواء الذي نتنفسه؛ كلمةٌ بسيطة تُقال بعفوية فتفتح الأبواب المغلقة، ويُقاس بها صفاء السريرة ومعدن الرجال. كانت “النيّة” تعني حسن الظن بالمحيط، والعطاء دون حساب، والتغاضي النبيل عن زلات الآخرين إيماناً بأن البركة في الصدق، وأن الله يتكفل بالقلوب الصافية.

غير أن الزائر للمشهد الاجتماعي والنفسي اليوم، يستشعر جفاءً طارئاً وغرابةً يتساءل معها الجميع بأسى: لماذا فقدنا النّية؟ ولماذا تحولت العفوية في زمننا إلى تهمة بالدروشة أو السذاجة؟

تفكيك هذه الظاهرة النفسية والاجتماعية يكشف عن تحولات عميقة طالت بنيتنا السلوكية والوجدانية:

1. صدمات الخيبة واستراتيجية “التدريع النفسي”

السبب الأول لفقدان “النّية” ليس خبثاً فطرياً استجدّ في نفوس الناس، بل هو نتيجة متراكمة لـ “الخيبات والتجارب المؤلمة”. عندما يُقابل حسن الظن بالاستغلال، وتُصدم العفوية بالغدر أو النكران، يلجأ العقل الباطن للفرد إلى بناء “جدار دفاعي” لحماية الذات من انكسارات جديدة. يتحول الشخص مع الوقت من التلقائية إلى الحذر المفرط، ومن سواد العاطفة إلى الشك المسبق؛ فيصبح الحذر والتوجس وسيلة حماية واعية لتفادي ألم الاستغلال.

2. طغيان المادية ورؤية العلاقات كـ “صفقات”

انتقلت مجتمعاتنا شيئاً فشيئاً من النمط الاجتماعي القائم على التضامن الفطري والروابط الروحية، إلى نمط مادي استهلاكي تقاس فيه الأشياء والروابط بحسابات الربح والخسارة. في هذا المناخ المادي الجاف، أصبحت “النّية” تُرى كأنها نقاط ضعف غير اقتصادية! تعقدت العلاقات، وأصبح التعامل المباشر الصادق يُستبدل بـ “الذكاء الاجتماعي المصطنع” والتكلف اللفظي، حيث يبحث كل طرف عن مكاسبه قبل أن يفكر في منح الأمان للآخر.

3. سيادة عالم الفضاء الرقمي وعزلة الأرواح

أسهمت الشاشات الافتراضية وشبكات التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الفجوة؛ فهي بيئة تُنمّي الاستعراض، التصنع، والمقارنات المستمرة. في العالم الرقمي، يُقدّم الجميع نسخاً مُجمّلة ومفلترة عن حياتهم، مما أضعف التواصل البشري المباشر (وجه لوجه) الذي ينقل حرارة الصدق ونبرة العفوية. عندما تراجعت اللقاءات الصادقة والتكافل اليومي الملموس، جفّت ينابيع الثقة وجفت معها “النّية” التي كانت تتغذى على قرب الأرواح.

4. الخلط القاتل بين النّية والسذاجة

من أكبر الآفات الفكرية في عصرنا هو شيطنة المفاهيم الجميلة؛ حيث أعدنا تعريف “النيّة” لتصبح مرادفة لـ “الغفلة”، ورَفَعنا من قدر “المكر والخبث” لنسميهما “ذكاءً وفهلوة”! هذا الانحراف القيمي جعل الكثيرين يخشون التعامل بصفاء ونية طيبة خوفاً من أن ينظر إليهم المجتمع بنظرة استهانة، فتنافس الناس في إظهار الجفاء والقسوة ليرسخوا صورة “الشخص القوي الذي لا يُخدع”.

إن “فقدان النّية” ليس قدراً محتوماً، بل هو أزمة وعي واغتراب روحي يؤذي صاحبه قبل غيره؛ فالعيش بقلبٍ يتوجس من كل حركة وموقف هو سجن نفسيٌّ يسرق الطمأنينة ويهدر سلام الروح.

نحن بحاجة ماسة إلى أن ندرك أن “النّية الطيبة” ليست ضعفاً ولا سذاجة، بل هي شجاعة أخلاقية وقمة النضج النفسي. أن تتعامل بنية مع معايشتك للناس وأنت مدركٌ لحقائق الحياة، فذلك يعني أنك اخترت ألا تسحبك قسوة العالم إلى القاع، وأن تجعل من صفاء قلبك وطناً يعيد للدفء والإنسانية معناهما الحقيقي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك