لماذا بنيامين نتنياهو خطير جدا على اسرائيل نفسها
الخبير الاستراتيجي داود مراد
شكلت التصريحات الأخيرة التي نقلتها القناة 12 العبرية عن رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق، إيهود باراك، زلزالاً سياسياً وأمنياً يرفع الغطاء عن آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة الحاكمة في تل أبيب. لم تكن كلمات باراك مجرد مناكفة سياسية تقليدية بين خصمين، بل جاءت بمثابة شهادة أمنية من الداخل تكشف الحدود التي يمكن أن يصل إليها بنيامين نتنياهو للحفاظ على عرشه السياسي وهروبه من الاستحقاقات القضائية والانتخابية.
أولاً: تفكيك تصريحات باراك.. حين تُسخَّر العقيدة الأمنية للنجاة الشخصية
عند قراءة تصريحات باراك القاطعة—والتي وصف فيها نتنياهو بأنه “يكذب كما يتنفس” وأنه “يجهز الظروف لخوض حرب قد تؤجل الانتخابات”—نجد أننا أمام اعتراف صريح بوجود تحول خطير في دالة اتخاذ القرار الإسرائيلي.
إن التحذير من كون نتنياهو يضع المنطقة “على بعد شرارة واحدة” في غزة، الضفة، أو إيران، يشير إلى أن مفهوم “الأمن القومي الإسرائيلي” تم إخضاعه بالكامل للمصلحة الشخصية. نتنياهو لا يتعامل مع الحرب كملف استراتيجي لحماية الكيان، بل كأداة هندسة سياسية (Political Engineering) لإرباك المشهد الداخلي، وتأجيل أي استحقاق انتخابي قد يطيح به ويقتاده إلى المحاكمة.
ثانياً: تحليل الجبهات.. لماذا تُعد الجبهة الإيرانية الخيار الأرجح؟
إذا سلمنا بالفرضية التحليلية المعمقة التي تفترض أن نتنياهو يتجه لإشعال الموقف قبيل الانتخابات، فإن السؤال الأهم يصبح: ما هي الجبهة الكفيلة بتحقيق هدفه السياسي؟
لكي تخدم “الحرب” هدف تعطيل الانتخابات وفرض حالة الطوارئ، فإنها تتطلب توفر شرطين أساسيين:
- القدرة على شلل الحياة اليومية في العمق الصهيوني، مما يجبر المنظومة القانونية والسياسية على تجميد النشاط السياسي والانتخابي.
- قابلية الضبط والديناميكية، أي القدرة على إشعال جولة سريعة ومكثفة ثم إيقافها دون الانزلاق إلى حرب حرب استنزاف طويلة تؤدي للانهيار الكامل.
وبناءً على هذه الشروط، يمكننا تقييم الجبهات كالتالي:
- قطاع غزة: بعد أشهر طويلة من المجازر والتدمير الشامل، بات القطاع يحكمه بواقع أمني واستنزافي مستمر، لكنه لم يعد يشكل بالمعنى الاستراتيجي -حالياً- المباشر الجبهة القادرة على فرض “شلل مفاجئ وكامل” في العمق الإسرائيلي يبرر تعطيل الانتخابات على مستوى الكيان ككل، فضلاً عن استهلاك الخيارات العسكرية فيه بشكل كبير.
- الضفة الغربية: رغم خطورة تصاعد العمليات فيها، إلا أنها تظل جبهة مواجهة أمنية واشتباك داخلي متقطع، ولا تملك أدوات الركود الشامل والتأثير الصاروخي المباشر على الموانئ والمطارات والمراكز الاقتصادية الرئيسية.
- الجبهة الإيرانية (الخيارات والمخاطر): تُعد الجبهة الإيرانية هي الساحة الوحيدة التي تحقق لنتنياهو المعادل الاستراتيجي المطلوب. فالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة الإيرانية تملك القدرة الفعلية على استهداف العمق الإسرائيلي مباشرة، وفرض حالة فلج عام للحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدن الكبرى (تل أبيب، الخضيرة، حيفا).
ثالثاً: منطق “جولة القتال السريعة” مع إيران.. حسابات نتنياهو المعقدة
تتزايد احتمالية لجوء نتنياهو إلى افتعال ضربة خاطفة أو استفزاز استراتيجي مع إيران، بدافع الوصول إلى “جولة قتال سريعة ومكثفة”.
فمن وجهة نظر نتنياهو الحسابية:
- التأثير الداخلي: توجيه ضربة لإيران سيتيح له ركوب موجة “الخطر الوجودي”، وتجميع الجمهور العبري خلف القيادة، وفرض حالة الاستنفار القصوى التي تمنع إقامة الانتخابات في موعدها.
- التحكم بالمدى الزمني: يراهن نتنياهو على أن المواجهة المباشرة مع إيران -إذا ما تم ضبطها عبر تدخلات أو وساطات دولية سريعة (أمريكية ودولية)- يمكن احتواؤها بعد أيام معدودة من تبادل الضربات الصاروخية الثقيلة، مما يحقق الغرض السياسي (تأجيل الانتخابات وفرض واقع جديد) دون الخوض في حرب إقليمية مفتوحة لا تحمد عقباها.
إن تصريحات إيهود باراك لا تندرج في إطار المبالغات الإعلامية، بل توضح بشكل دقيق عقلية الحاكم الفرد الذي يرى في استمرار الحرب الوسيلة الوحيدة للبقاء.
إن سيناريو افتعال جولة مواجهة سريعة مع إيران يظل الخيار الأكثر خطورة والأكثر ملاءمة لسيناريو نتنياهو: جبهة تضرب العمق، تعطّل الحياة، تفرض الطوارئ، وفي الوقت نفسه تترك مجالاً للوساطات الدولية لإيقافها بمجرد تحقيق الهدف السياسي الداخلي. إننا أمام مرحلة قد يُساق فيها الإقليم بأكمله إلى حافة الانفجار فقط لتأمين البقاء الشخصي لرئيس حكومة الاحتلال.



إرسال التعليق