ذخيرة القلم لا تنفد

ذخيرة القلم لا تنفد

رشيد مصباح (فوزي)

الفرق بين من يحمل قلمًا ومن يحمل رشّاشًا أو سلاحًا ناريًا، أن القلم لا تنفد منه الكلمات، بينما الرشّاش يحتاج إلى ذخيرة.

وبينما يشترط استخدام القلم النهل من بحور العلم والمعرفة، يبدو أن استخدام السلاح الناري لا يتطلّب سوى بعض التمارين البسيطة.

أما بالنسبة إلى إصابة الأهداف، فالسلاح الناري يشترط الدقّة والقدرة على التركيز، بينما تتطلّب الكتابة المهارة، زيادة على العلم والمعرفة.

غير أن القلم يخيف أكثر، نظرًا لطبيعة الأضرار التي يمكن أن يُحدثها وحجمها. لذلك يحذر منه الجميع: الأفراد، والمجتمعات، وحتى الأنظمة.

فالقلم يتحدّى البعد والمسافات، وبإمكانه أن يصيب هدفه دون الحاجة إلى وسيلة نقل، وبإمكانه أيضًا أن يساهم في إسقاط أنظمة كاملة، بجرّة واحدة، بينما قد يحتاج ذلك إلى ترسانة من الأسلحة المتنوّعة والفتّاكة.

وللكلمة سحر على القلوب والعقول؛ لذلك كانت أول كلمة نزلت مع الوحي هي:

«اقرأ».

وهو أمر صريح، وإشادة بأهمية القراءة والكتابة.

إذا أُحسن استعمال الحرف، كان مآله خيرًا. وإذا حدث العكس، فإنه قد يكون وبالًـا على صاحبه.

فهو متعدّد المنافع والاستخدام؛ إذا استُعمل في الخير نفع، وإذا استُخدم في الشر أضر.

بإمكان القلم تشييد حضارات وتحصين أمم، وبإمكانه أيضًا أن يساهم في هدمها.

هناك من يجهل مدى أهمية الحرف، ومنهم من يدرك ذلك، لكنه لا يملك القدرة على إيصال رأيه إلى الآخرين؛ لذلك قد يحسد صاحب الرأي، وصاحب الرأي الحر.

يتميّز هذا العصر بانتشار وسائل القراءة والكتابة بطريقة لافتة، والكل هرع إلى اقتنائها، بما في ذلك الجاهل والمتعلّم.

والكل راح يبحث عن مكانة له في هذا العالم.

والذين ليست لديهم القدرة على التأثير بالحرف، استخدموا الصورة لأنهم وجدوها أسهل؛ لكن تأثير الصورة محدود، وقد يقتصر أحيانًا على ما يثير العين للحظة، بينما للكلمة مفعول سحري على العقول التي تنبض بالحياة.

لذلك، لا يمكن الجمع بين من تبهره الصور، ومن تشدّه العِبَر.

وشتّان بين الثريّا والثرى.

بإمكان المرء أن يسافر عبر الزمن، ويعبر الحدود، من خلال كتاب واحد يقرؤه وهو ماكث في بيته.

وقد أصاب المتنبّي حين قال:

أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ
وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك