في سبتة… التقت الهجرة الهجينة وتصفية الحسابات والابتزاز السياسي والمالي

بقلم د. محسن عقيلان

تثير المشاهد الصادمة المتدفقة من “سبتة” ذهول المراقبين؛ فكيف لـ 60 ألف إنسان أن يندفعوا في توقيت واحد، وبأسلوب “الطوفان البشري” المنظم، ليعبروا حدوداً دولية محاطة بالرقابة سباحةً وبحراً دون أن تحرك أدوات الدولة الجارة ساكناً في الساعات الأولى؟ هذا التساؤل المشروع يضعنا أمام تحليل استراتيجي يتجاوز الروايات السطحية، ليمزج بين استغلال الثغرات القانونية، والتحركات الاستخباراتية الخفية، وصولاً إلى الصراع السياسي المشتعل داخل اسبانيا وخارجها بالاتحاد الأوروبي أولاً(قراءة في خفايا التحريك)

  1. الثغرة القانونية كغطاء تكتيكي:

انطلقت الشرارة من قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي حظر الترحيل الفوري لمن يصلون سباحةً أو بحراً، معتبراً أن الطرد السريع يقتصر فقط على من يتسلقون السياج البري هذا النص الحقوقي تحول فوراً إلى “مغناطيس قانوني”. وهنا يأتي دور مافيات التهريب التي التقطت القرار وسربت إشاعات فيروسية مشوهة عبر المنصات الرقمية تفيد بأن “إسبانيا شرّعت الدخول بحراً ولن تطرد أحداً لكن مصلحة المافيات هنا لم تكن مجرد مكاسب مالية مباشرة، بل عملت كـ”مقاول تنفيذي” أو أداة حركتها أصابع خفية نظمت و نسقت عملية الطوفان البشري

  1. الأصابع الخفية ورسائل “قرصة الأذن” الجيوسياسية:

لا يمكن فصل هذا التوقيت المرعب عن السياقات السياسية؛ فالأرجح أن دوائر استخباراتية وظفت الشائعات وحشدت هذه الجموع لإيصال رسائل سياسية خشنة ومحددة إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، حيث تلخصت أهداف هذه الحركة الاستخباراتية في نقاط حاسمة:

“قرصة أذن” لسانشيز: عقاباً له وتحذيراً من مغبة التوجه نحو الجزائر وزيارته الأخيرة لها والاتفاقيات الثناىية المبرمة

الإرجاع للعاصمة الصديقة: إجبار سانشيز على العودة والارتماء في أحضان العاصمة الصديقة له والوحيدة الكفيلة بضبط أمنه وهي “الرباط” وليس غيرها.

إجبار إسبانيا على زيادة الدفع: الضغط المباشر على مدريد و بروكسل لزيادة الدعم المالي والتمويل الموجه للمغرب، حتى تتمكن السلطات من تفعيل أدواتها بقوة ومنع المهاجرين من اختراق الحدود كما فعلت تركيا سابقا و جنت المليارات

وبعد أن وصلت الرسالة السياسية والمالية بدقة واهتزت مدريد، تدخلت أدوات الدولة المغربية ميدانياً وبدأت في كبح التدفق باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه وتسهيل استلام المرجعين. و يوجد احتمال ينسف روايتنا السابقة

ماذا لو كان طرف ثالث استخباراتي داىما اصابع الاتهام تتوجه له هو من رتب ما سبق لغرض الوقيعة و خلط الاوراق نتمنى ذلك.

ثانياً: الاستغلال السياسي الدولي والمحلي ورد سانشيز الحاسم

  1. انتفاضة اليمين الأوروبي ضد “شينغن”:

تلقفت الحكومات اليمينية في إيطاليا وفنلندا والدنمارك هذه المشاهد لتصفية حسابات أيديولوجية مع حكومة مدريد الاشتراكية طالبت روما وهلسنكي وكوبنهاجن صراحةً بـ”تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شينغن” لحماية شعوبها من تدفق قادم، معتبرة سياسات سانشيز خطراً على القارة وبعد ساعات ااخذت روما القرار بتجميد مؤقت لاتفاقية شنغن مع اسبانيا

  1. رد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بالأرقام والمعاهدات:

أمام هذا الهجوم الضاري، خرج رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز برد حازم وقاسٍ وجهه مباشرة لقادة اليمين الأوروبي المهاجمين، مرسخاً موقفه بقوة القانون والأرقام؛ حيث صرح بلهجة صارمة: “التضامن والتعاطف أمران اختياريان. أما احترام المعاهدات الأوروبية والبيانات، فهو أمر لا يقبل المساومة”.

ولإحراج خصومه وتفكيك روايتهم، استند سانشيز إلى الإحصاءات الرسمية الصادرة عن منظمة “فرونتكس” لعدد الدخول غير النظامية بين عامي 2021 و2026، والتي تثبت بالدليل القاطع أن إسبانيا ليست الحلقة الأضعف في أوروبا، وجاءت الأرقام كالتالي لإفحام المهاجمين:

عبر إيطاليا: 478,600 (وهي النسبة الأعلى التي تحرج حكومة ميلوني مباشرة).

عبر منطقة البلقان الغربية: 340,600.

عبر اليونان: 259,800.

عبر إسبانيا: 234,760 (مما يضع إسبانيا في مرتبة متأخرة مقارنة بإيطاليا).

عبر الحدود الشرقية: 48,000.

واختتم سانشيز موقفه بقطع الطريق على محاولات تفكيك شينغن قائلاً: “هذا ليس الوقت المناسب للانقسام. بل هو الوقت المناسب لمواصلة بناء اتحاد أوروبي قوي وموحد”.

  1. موقف بروكسل والتحرك الميداني:

تماشياً مع منطق سانشيز، جاء رد الاتحاد الأوروبي صارماً لحماية وحدته؛ إذ أعلنت المفوضية دعمها المطلق لمدريد، واعتبرت حدود سبتة هي حدود أوروبا بأكملها، وعرضت تقديم المساعدة العسكرية والتدخل الميداني بجنود وآليات وكالة “فرونتكس” لحماية الحدود. وكان سانشيز قد طار برفقة وزير داخليته فوراً إلى سبتة في خطوة سيادية حازمة، وقرر تجميد روح حكم المحكمة العليا مؤقتاً لفتح ممر إرجاع عاجل أعاد 25 ألف شخص في يوم واحد لإثبات سيطرة الدولة ميدانياً وقبل ارسال المقال بدقائق وكالات انباء تتحدث عن ارجاع اكثر من ٩٠٪ المهاجرين و اذا صحت هذه المعلومات تزيد علامات الاستفهام اكثر كيف تم السيطرة على هذا العدد و اعادته او اعاد نفسه بهذه السرعة

  1. التدخل الأمريكي والمعارضة الإسبانية:

دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة بشكل مباشر، حيث صرح وزير الخارجية الأمريكي مهاجماً سياسات سانشيز اليسارية والعولمية، ومعتبراً ما حدث في سبتة نتيجة طبيعية لضعف القوانين الاسبانية أمام الهجرة غير النظامية و بعده بساعات صرح ترامب معلقا على ازمة سبتة بان هذه المشاهد تتكرر على حدودنا واتخذنا قرارات صحيحة بالقضاء عليها منتقدا سياسات سانشيز بالنسبة لقوانين الهجرة

محلياً،. استغلت المعارضة الإسبانية (الحزب الشعبي وحزب فوكس ) الأزمة لتشوية سانشيز وإضعاف موقفه، معتبرين أن قانونه الأخير لتسوية أوضاع المهاجرين هو الذي دمر هيبة الدولة وجعلها مستهدفة

مآلات الازمة و تداعياتها

١ . عسكرة شواطئ سبتة وتغيير هندسي للحدود: ستتحرك إسبانيا سريعاً لتطبيق المخرج القانوني الذي تركته المحكمة العليا؛ وذلك عبر بناء حواجز وعناصر احتواء مادية ممتدة داخل مياه البحر (شباك وحواجز عائمة) لشرعنة الطرد الفوري بحراً وإغلاق الثغرة نهائياً.

٢. . صياغة “اتفاق مالي أمني” جديد وخضوع مدريد: ستعود المياه الدبلوماسية لمجاريها بين مدريد والرباط بشكل براغماتي، حيث سترضخ إسبانيا للضغوط وتزيد من حجم التمويل والدفع المالي للمغرب لضمان استمرار “الإغلاق الصارم” للحدود، مما يثبت نجاح رسالة الرباط الجيوسياسية.

٣. تشديد قيود شينغن الداخلية برداء قانوني: سيقود رد سانشيز المستند إلى أرقام “فرونتكس” إلى إعادة صياغة ميزان القوى داخل الكتلة؛ فرغم رفض بروكسل طرد إسبانيا، إلا أن الضغط المتبادل سيجبر دول الجوار كفرنسا و بعدها ايطاليا على الإبقاء على “رقابة استثنائية مؤقتة” على حدودها، مما يغير مفهوم شينغن التقليدي لصالح شينغن أكثر تشدداً وأمناً.

٤. تحول سياسي نحو اليمين في إسبانيا: ستترك هذه الأزمة ندبة عميقة في شعبية الحزب الاشتراكي رغم ردة الفعل السريعة لسانشيز ووزير داخليته، مما يمهد الطريق لصعود قياسي لتيار اليمين وأقصى اليمين في أي استحقاق انتخابي قادم، نتيجة نجاحهم في اللعب على وتر “الأمن القومي والسيادة المستهدفة” بالاضافة لاستغلالهم لملف الفساد لرموز الحزب الاشتراكي و المقربين من سانشيز خاصة زوجته بغونيا غوميت و اخيه ديفيد سانشيز

الكاتب / باحث في العلاقات الدولية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك