عندما يتحوّل الصخب إلى خطاب
–
رشيد مصباح (فوزي)
يقول المثل الفرنسي:
«!Quand tu donnes de l’importance à un zéro, il se croit un héros»
أي: حين تعطي الصفر أكثر من قيمته، يعتقد نفسه بطلًـا.
وأكرّر، حتى أريح ضميري: هناك أشخاص لا ينبغي أن نعطيهم أكثر من حجمهم الطبيعي، لأن بعض الناس كلما منحتهم من الاهتمام ما لا يستحقون، ازداد اعتقادهم بأنهم أكبر مما هم عليه.
لكن الإنسان يجد نفسه أحيانًا مضطرًا إلى التوقف عند بعض الظواهر التي أصابت زماننا، وفي مقدمتها هذه الرداءة الفكرية المتفشية التي لا يستطيع كل لبيب أن ينكرها. وهي ليست ظاهرة خاصة بمجتمعنا وحده، بل تكاد تكون ملاحظة مشتركة بين مجتمعات كثيرة في العالم، وإن كانت بنسب متفاوتة.
ولستُ أقول ذلك من عندي وحدي؛ فقد أصبح الحديث عن تراجع مستوى الخطاب الفكري والثقافي والعلمي حاضرًا على ألسنة كثير من المفكرين والمثقفين والاختصاصيين في مجالات مختلفة. ولعلّ جزءًا من أزمتنا نحن العرب والمسلمين يكمن في أننا لم ننجح في التمييز بين من يملك العلم ومن يملك مجرد الرغبة في الظهور بمظهر العالم.
بعض الناس لا يعرفون قيمة التواضع، بل ينظرون إليه وكأنه ذلّ أو مهانة، مع أن التواضع لا ينقص من قيمة الإنسان، وإنما يكشف قيمته الحقيقية. والمشكلة تبدأ حين يجد بعض هؤلاء الطريق مفتوحًا إلى مواقع التأثير، فيتقدمون إلى الواجهة قبل أن يمتلكوا ما يؤهلهم لها.
وهنا يصبح الأمر أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بالمنبر؛ فالمنبر ليس مكانًا لاستعراض الصوت، ولا ساحة لإثبات الذات، وإنما مسؤولية وكلمة وأمانة. ومن اعتلى المنبر ينبغي أن يدرك أن علو المكان لا يعني بالضرورة علو المقام.
اليوم، أصابتني وعكة صحية منعتني من الذهاب إلى صلاة الجمعة. جلستُ في البيت وفتحتُ الجهاز كعادتي، وتركتُ نافذة الغرفة مفتوحة لأسمح بدخول بعض الهواء المنعش الذي حُرمت منه منذ مدة بسبب المرض.
وفجأة، بلغني صوت مرتفع عبر مكبّر الصوت. ظننتُه في البداية صوت أحد الباعة الجوالين الذين تعوّدنا على سماعهم في الأسواق الأسبوعية. لكنني سرعان ما انتبهت إلى أن السوق لم يعد في المكان الذي يصلني منه الصوت منذ أن نُقل إلى خارج المدينة.
أدركتُ بعدها أن الصوت صادر عن أحد المساجد القريبة.
لكن مستوى الصوت جعلني أتساءل: هل يحتاج الخطاب إلى كل هذا الصخب حتى يصل إلى الناس؟
ثم لم ألبث أن أدركتُ أن صاحب ذلك الصوت هو نفسه غريمي القديم، الذي سبق أن انتقدتُ أسلوبه في أكثر من مناسبة، والذي يبدو أنه اختار، كالعادة، أن يرد على ما أكتبه بطريقته الخاصة.
قد تكون بعض المواقف فعلًـا «زوبعة في فنجان»، ولا تستحق أن ينزل المرء إليها، لكن كما يقول المثل: «مرغم أخاك لا بطل».
لذلك وجدتني أكتبُ، لا دفاعًا عن نفسي، وإنما دفاعًا عن معنى الخطاب الهادئ وقلتُ: «الإقناع لا يستجدي كل هذا الصخب والضجيج يا صديقنا الخطيب.»
حين يعجز بعضهم عن إقناع العقول، يحاولون قدر الإمكان أن يعوّضوا ذلك برفع الصوت.
وكما يقول المثل: «فاقد الشيء لا يعطيه.»
أما أنا، فلن أتوقف عن الكتابة بسبب أمثال هؤلاء؛ فالصوت الذي يزعج صاحبه لا ينبغي أن يُسكت قلمًا يؤمن بما يكتب.


إرسال التعليق