اخر الاخبار

ضع كلَّ واحدٍ في حجمه الطبيعي يا صديقي.

رشيد مصباح (فوزي)

«وتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر»
الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه.

خلق الله الأشياء مختلفة في أحجامها وأشكالها، وجعل لكل شيء منها مكانه وأهميته في هذا الوجود. وضرب لنا القرآن مثلًـا بحبّة الخردل، كما ضرب المثل بالبعوضة، ليعلّمنا أن صِغر الحجم لا يعني انعدام القيمة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يحاول الشيء أن يتقمّص حجمًا ليس له، أو عندما نقيس الأشياء بمقاييس لم تعد تناسب الزمن الذي نعيش فيه.

وهنا أتذكّر حكاية لافونتين الشهيرة: «الضفدعة التي أرادت أن تصبح في حجم الثور». كانت تنفخ نفسها كل مرة لتبدو أكبر، حتى انتهت إلى ما انتهت إليه.

تذكّرتُ هذه الحكاية بعد حوار طويل جمعني بأخي وصديقي محمد (ش). «قدّس الله سرّه»، الذي أصفه مازحًا بـ«الفيلسوف العجوز». هو يتّهم غيره بالفلسفة، بينما أراه في الحقيقة من أكثرهم قدرة على التفكير والجدل والخوض في مختلف المواضيع. يعرف العربية لغةً ونحوًا وبلاغة، ويتقن الفرنسية، وهو فوق ذلك أستاذ في اللغة الإنجليزية، ولذلك يستطيع أن ينتقل من موضوع إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى، دون أن يشعر بأنه غريب عنها.

كان حديثنا، كعادتنا، طويلًـا ومتعدّد الاتجاهات؛ بدأ بالهوية والتاريخ، ثم انتهى، كما يحدث غالبًا بيننا، إلى بعض المسائل الشرعية.

لكن الاستثناء هذه المرة كان شيئًا أخبرني به صديقي، إذ قال إن أحد معارفه استغرب كيف استطعتُ أن أؤلّف كتابًا بالفرنسية.

في حدّ ذاته، السؤال مشروع، ولا أرى فيه مشكلة. فمن حق أي إنسان أن يتساءل عن قدرة شخص على الكتابة بلغة غير لغته الأم.

لكن ما أثار انتباهي هو أن هذا الاستغراب ما زال يُطرح بالطريقة نفسها في زمن تغيّرت فيه وسائل المعرفة والتواصل بصورة لم يعرفها تاريخ الإنسان من قبل.

قلتُ لصديقي: هل سبق أن سأل هذا الشخص نفسه: هل كل أديب تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات يتقن تلك اللغات كلّها؟

خذ مثلًـا كاتبًا جزائريًا يعيش بيننا، مثل ياسمينة خضرا، الذي تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات. فهل يعني ذلك أنه يتحدّث أو يكتب بكل هذه اللغات؟

الترجمة ليست دليلًـا على أن المؤلّف يتقن لغة المترجم، وإنما هي دليل على أن عمله استطاع أن يتجاوز حدود لغته.

وأنا لم أدّعِ يومًا أنني أتقن الفرنسية. بل أقولها بوضوح في كل مرة: أنا من جيل الاستقلال، وأعتز بعربيتي، ولم أقدّم نفسي يومًا باعتباري فرنكوفونيًا.

لكنني أعيش في عصر جديد، وأحاول أن أستفيد من أدواته. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على مساعدتي في ترجمة نصوصي إلى الفرنسية، فلماذا أرفض هذه الوسيلة؟

وهل يُشترط في الكاتب الذي تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات أن يكون قد درس تلك اللغات كلّها؟

لقد جعلت التكنولوجيا الحديثة المعرفة والأدوات متاحة لشريحة واسعة من الناس. أصبح بإمكان المثقف الكبير، والأديب، والباحث، والطالب، وحتى الإنسان محدود المستوى «مثلي»، أن يصل إلى أدوات كانت في الماضي حكرًا على المؤسسات والمتخصصين.

وهذا أمر إيجابي في أصله.

لكن هناك جانبًا آخر لا يخلو من المفارقة: حين تصبح الأدوات متاحة للجميع، لا يصبح الجميع متساوين في القدرة على استخدامها.

والمفارقة الأكبر أن بعض الذين كانوا في الماضي عاجزين عن الوصول إلى المعرفة، أصبحوا اليوم قادرين على الوصول إليها بسهولة، ومع ذلك لم يتخلَّ بعضهم عن عادة قديمة: محاكمة الأشخاص بدل مناقشة أفكارهم.

وهنا تذكّرتُ العبارة الشائعة: «العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، أما العقول الصغيرة فتنشغل بالأشخاص والأسماء».

ولستُ في حاجة إلى معرفة اسم الشخص الذي استغرب كتابتي بالفرنسية، ولا أريد أن أعرفه.

فالأسماء لا تهمّني كثيرًا هنا.

لقد بدأتُ حديثي مع صديقي محمد بفكرة تبدو بسيطة، لكنها بدت لي في نهاية الحوار أكثر عمقًا:

«إذا أردتَ أن تريح ضميرك، فضع كل واحد في حجمه الطبيعي».

ليست المسألة إهانة للصغير ولا تمجيدًا للكبير.

فالله وحده يعلم أقدار الناس، وليس المطلوب أن نضع أحدًا في حجم أكبر من حجمه، كما ليس من العدل أن نحاول تصغير إنسان لأن أدواته الجديدة مكّنته من الوصول إلى ما لم يكن متاحًا له بالأمس.

المطلوب أن نرى الأشياء كما هي فحسب.

فقد يكون الإنسان صغيرًا في عينك، لكنه يحمل فكرة كبيرة.

وقد يكون كبيرًا في أعين الناس، لكنه لا يحمل إلّـا صورة كبيرة عن نفسه.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك