الوفرة الرقمية وتعدد الخيارات!! 

علي سيف الرعيني 

لم يشهد التاريخ البشري عصرا يعاني فيه الإنسان من هذا القدر العالي من التشتت والإرهاق المزمن والشعور الدائم بضيق الوقت 

حيث الوفرة الرقمية والتي ربما انقلبت ضدنا وتحولت من نعمة تسهل الحياة إلى عبء يثقل الكاهل  

في الماضي كانت المشكلة الأساسية للإنسان هي الندرة ندرة المعلومة وندرة السلع وندرة الفرص وكان السعي نحو توفير الاحتياجات هو الشغل الشاغل أما اليوم فقد تحولنا من الندرة إلى التخمة

أمام شاشات هواتفنا نواجه سيلا جارفا لا ينقطع من الإشعارات والرسائل والمقاطع القصيرة والأخبار المتسارعة هذا الفيض الدائم لا يمنح الدماغ فرصة لالتقاط الأنفاس وعندما تتعدد الخيارات أمام الإنسان بشكل مبالغ فيه، يصاب بما يسمى في علم النفس الحديث شلل القرار فنقضي ساعات في تصفح منصات البث لنختر في النهاية ألا نشاهد شيئا ونستهلك طاقاتنا العقلية في متابعة تفاصيل تافهة على حساب أهدافنا الكبرى 

السلعة الأكثر قيمة في هذا العصر لم تعد المال بل انتباهك الشركات الكبرى وخوارزميات التطبيقات صُممت بعناية فائقة لتتلاعب بنظام الجاهزاوالاجابة الجاهزة اوالمكافاة في أدمغتنا وتسرق دقائق واوقات من أعمارنا مقابل وميض إشعار أحمر أو فيديو 

حين نمنح انتباهنا لكل ما هو طارئ فإننا نحرم أنفسنا من أثمن ما نملك العمق فالإبداع والتفكير النقدي والسكينة النفسية والروابط الإنسانية الحقيقية كلها أمور تتطلب هدوءا وبيئة خالية من الضجيج الرقمي المستمرالذي يقتل فينا القدرة على التأمل ويحولنا إلى كائنات رد فعل بدل أن نكون كائنات فعل وبناء

العودة إلى البساطة لم تعد رفاهية أو شعارا رومانسيا بل أصبحت ضرورة بقاء نفسية وعقلية التبسيط ليس معناه أن نتخلى عن التكنولوجيا ونعيش في الكهوف بل معناه إعادة الهندسة الواعية لحياتنا:

ونبدا بتقليم الحدائق الرقمية تماما كما نقلم الأشجار لتثمر علينا أن نقلم هواتفنا حذف التطبيقات غير الضرورية وإيقاف جميع الإشعارات غير العاجلة وتقليص مصادر الأخبار السطحية 

وينبغي الفهم من أن ملء اليوم بالمهام والالتزامات لا يعني بالضرورة أننا نعيش حياة ناجحة أومنتجة الجودة دائما تفوق الكم علينا أيضا صناعة مساحات بيضاء تخصيص أوقات يومية خالية تماماً من الشاشات دقائق من الصمت أو التأمل أو المشي في الطبيعة دون هاتف هذه الخلوات القصيرة هي التي تعيد للدماغ ترتيب فوضاه 

نخلص بالقول هنا من ان عصر الوفرة الرقمية سيستمر في التوسع ولن تتوقف التطبيقات عن محاولة خطف أنظارنا واسر إنتباهنا الحصن الوحيد الذي يملكه الإنسان هو الوعي أن نعرف متى نقول يكفي ومتى نغلق الشاشة لنفتح نوافذ قلوبنا على من حولنا وعلى من نحب وعلى أنفسنا 

الحياة لا تعاش بالبقاءعلى الشاشات بل في اللحظات البسيطة والهادئة التي نصنعها بأنفسنا بعيدا عن صخب الزحام!!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك