أمريكا عدو غير عاقل.. قراءة تحليلية في معادلة الردع النووي والمسؤولية التاريخية
دكتور سليمان بن فالي
حين نضع المشهد السياسي الدولي على محك الاحتمالات القصوى، تبرز حقيقة قاسية مفادها أن مواجهة قوة متفلتة من الضوابط العقلانية تفرض مقاربات مغايرة كلياً لما اعتادت عليه الدبلوماسية التقليدية. فلو قُدر للإدارة الأمريكية—في ظل قيادة مثل دونالد ترامب—أن تقدم على خطوة كارثية كضرب إيران بسلاح نووي وسقوط أعداد هائلة من الضحايا، فإن المسؤولية الأخلاقية والتاريخية الأولى لا تقع فقط على المهاجم، بل تتحملها القيادة الإيرانية نفسها التي وضعت بلادها في مهب الهاوية، وهو ما يضع طرح تقديمها للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى في نصابه الواقعي.
إنك تقف أمام عدو غير عاقل، لا يحسب خطواته بميزان الربح والخسارة التجاري، بل بمنظور العقيدة والهوية والغطرسة المطلقة. ولذلك، فإن الإصرار على التكتم المطبق بشأن الملف النووي، أو العزوف عن التلويح به كأداة ردع حقيقية في مواجهة تهديدات عدو مجنون، لا يمكن توصيفه إلا بالانتحار السياسي أو الخيانة الصريحة لأمن الأمة.
حتى لو افترضنا أن طهران حاولت إيهام العالم بامتلاك قدرات سرية دون إعلان رسمي أو تجارب ميدانية، فإن العدو الأمريكي سيتعامل حصراً مع المعطيات الظاهرة، ومع تقارير استخباراتية قد تُصاغ وتُوجّه عمداً لتبرير الهجوم وتمريره. بمعنى آخر، لقد وضعت الدولة رقبتها تحت المقصلة ورهنت أرواح الملايين من شعبها لمجرد حسابات ضيقة وخلافات عابرة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
منذ زمن بعيد، كان التقييم الموضوعي لقرار إيران بعدم امتلاك سلاح رادع معلن يوضع في خانة “أغبى القرارات في تاريخ الدولة”؛ إذ أسفر هذا النهج عن إشعال حرب وجودية مستمرة منذ أعوام، وتفعيل حصار خانق لا يدفع ثمنه الباهظ سوى الشعب المقهور لعقود طويلة.
1. معادلة الردع: بين خزي الصمت وتهمة التفريط
يبقى السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة وسط صفيح السخونة الإقليمية: ما الذي يمنع إيران من التهديد بالنووي لردع تلك التوجهات العدوانية في البيت الأبيض؟
المعادلة هنا تبدو قاسية وصادمة في إطارها التحليلي:
- إذا كانت الدولة تمتلك القدرة النووية وتختار الصمت المطبق، فهي تقترف خطيئة استراتيجية كبرى لا توهل أصحابها لإدارة حروب وجودية.
- ولو كانت لا تمتلكها رغم توفر الفرص والقدرات التقنية على مدار أعوام وشهور، فإن ذلك يُعد تفريطاً بحق الأمة وحمايتها من بطش المعتدين.
أعلم جيداً أن مثل هذه الطروحات قد تثير حفيظة البعض وتصطدم بالعواطف السائدة، لكنها تظل حقائق موضوعية لا يمكن حجبها بغربال الشعارات.
2. وهم المستحيل التاريخي: حين تسقط التوقعات أمام الواقع
إن استقراء التاريخ يكشف لنا بوضوح أن ما يُستبعد وقوعه اليوم هو ما سيقع غداً لا محالة:
- قبل أن تُضرب اليابان بالقنبلة النووية، كان الجميع يجزم بأن ذلك “مستحيل”.
- وقبل أن يُقدم صدام حسين على غزو الكويت أو الدخول في مواجهات كبرى، وُصف الأمر بأنه “مستحيل”.
- وقبل أن يجتاح هتلر أُوروبا ويدمر عواصمها، قيل إن ذلك من ضرب “المستحيل”.
الحقيقة الموجعة التي يتجاهلها الساسة دائماً هي أن المستحيل يظل مستحيلاً حتى يقع بالفعل. وحين يقع، تصبح كل التحليلات والتنبؤات السابقة مجرد أدلة على خلل ذهني وتقديم للعاطفة والتمني على قراءة الواقع الصلب. وحين ترتطم الشعوب بحافة الهاوية، لا ينفع الندم ولا تُغفر خطايا التهاون أمام محكمة التاريخ.



إرسال التعليق