اخر الاخبار

سيناريو الضربة النووية الأمريكية ضد إيران: مغامرة ترامب الكبرى وفرصة طهران التاريخية

عزيز ناصر

في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، يعود طرح السيناريوهات الأكثر راديكالية إلى الواجهة، وعلى رأسها الضربة النووية الأمريكية المحتملة ضد المنشآت الإيرانية المحصنة في الجبال (مثل نطنز أو فردو).

بينما يرى البعض في هذا الخيار رادعاً مطلقاً، يشير التحليل الاستراتيجي العميق إلى مفارقة خطيرة: إذا حدثت هذه الضربة، فلن تكون مجرد نهاية لأزمة، بل قد تكون البداية لزلازل استراتيجية كبرى تخدم إيران على المدى البعيد، وتفتح باباً جهنمياً على النظام الدولي بأسره.

1. طبيعة الضربة: “محدودة” جغرافياً.. ولكن ممتدة الأثر

إذا أقدم دونالد ترامب – المعروف بجرأته وقراراته غير التقليدية – على خيار كهذا، فمن المرجح أن تُصمم الضربة لتكون محدودة وتكتيكية، مستهدفة الأعماق الجبلية والبنية التحتية النووية الحصينة باستخدام قنابل خارقة للتحصينات ذات رؤوس نووية مصغرة.

  • لا إسقاط للنظام: من الوهم الاعتقاد بأن ضربة نووية جبلية محدودة قادرة وحدها على إسقاط النظام الإيراني من الهواء. التاريخ العسكري يثبت أن الضربات الجوية وحدها، حتى النووية منها، لا تسقط الأنظمة العقائدية، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً على مستوى التلاحم الداخلي وتحت شعار “الدفاع عن الوطن”.
  • إدارة الحافة: ستسعى واشنطن لاحتواء التصعيد، لكن مجرد كسر “المحرم النووي” واستخدام السلاح الذري للمرة الأولى منذ عام 1945 سيغير شكل العالم إلى الأبد.

2. المفارقة الكبرى: كيف ستستغل إيران الضربة لـ “عقود قادمة”؟

السيناريو الأغرب والأكثر خطورة على الغرب هو قدرة إيران المحتملة على تحويل هذه الكارثة إلى رافعة استراتيجية تاريخية، تشبه إلى حد كبير كيف استغلت قوى تاريخية الكوارث والدمار لصياغة مظلومية وأيديولوجية استمرت لعقود. (تماماً كما استغل الاحتلال الإسرائيلي مظلومية الهولوكوست لتثبيت شرعيته في وجدان الغرب وأوروبا عموماً لقرون).

  • مظلومية العصر النووي: ستتحول إيران في “الرواية الإيرانية والمضادة للهيمنة” إلى الضحية الأولى للإرهاب النووي الأمريكي السافر. هذا سيعطي النظام شرعية أخلاقية وسياسية لم تكن توفرها له حتى أعتى خطاباته.
  • الشرعية الأبدية للتبرير: ستُستخدم هذه الضربة كـ “صك غفران” ومبرر أبدي لكل السياسات الإقليمية الإيرانية القادمة، وذريعة لا تقبل المناقشة لتسليح وتصعيد أي صراع ضد المصالح الأمريكية والغربية، تحت شعار: “لقد قصفونا بالنووي.. فمن نحن لنرحمهم؟”
  • الالتفاف الشعبي الموقت: بغض النظر عن الخلافات الداخلية مع النظام، فإن أي ضربة وجودية من هذا النوع ستدفع الشعب الإيراني رغماً عنه نحو خندق الدفاع عن البقاء القومي، مما يعيد إنتاج النظام وقوته الصلبة بصورة أشبه بالمعجزة السياسية.

3. فتح “Pandora’s Box”: نهاية عصر عدم الانتشار

الخطورة القصوى لهذه الخطوة لا تكمن في إيران وحدها، بل في انهيار القاعدة الأخلاقية والسياسية للردع النووي العالمي.

  • تشريع استخدام النووي: بمجرد أن تقدم الولايات المتحدة على كسر القاعدة الذهبية (عدم استخدام السلاح النووي منذ الحرب العالمية الثانية) بحجة “الضرورة والمصلحة”، فإنها تسحب المظلة الأخلاقية من نفسها.
  • لكل دولة مقياسها: ستصبح الفكرة قابلة للتقليد. ستجد كل دولة إقليمية كبرى أو نووية صاعدة مبرراتها الخاصة لتحديد حجم “الضربة المحدودة” التي تتناسب مع مصالحها القومية. سيتحول العالم إلى غابة ذرية تتلاشى فيها قواعد اللعبة السابقة.

كارثة محققة للغرب

إذا أقدم ترامب على هذه الخطوة، معتقداً أنه يوجّه “الضربة القاضية”، فقد يجد الغرب نفسه أمام فخ استراتيجي قاتل.

لن يسقط النظام الإيراني، بل سيكتسي بثوب الضحية التاريخية، وتتحول إيران إلى أسطورة مقاومة في الوجدان الإقليمي والعالمي، بينما يدفع الأمن الأمريكي والغربي الثمن باهظاً على مدى عقود قادمة جراء انهيار المحرمات الدولية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك