اخر الاخبار

هل أصبح “البريميرليغ” مملاً حقاً؟ أم أن الجمهور يبالغ؟.. تشريح أزمة المتعة في الدوري الأقوى عالمياً

نور الخازن

“الدوري الأقوى والأمتع في العالم”.. هكذا ظلت أدبيات الإعلام الرياضي تُعنون بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز (Premier League) لعقود طويلة. البطولة التي بُنيت أسطورتها على الغزارة التهديفية، والمفاجآت غير المتوقعة، والسرعة الفائقة التي لا تترك للمُشاهد فرصة لالتقاط أنفاسه.

لكن في الآونة الأخيرة، تعالت أصوات كثيرة بين النقاد والجماهير عبر منصات التواصل وفي المدرجات تصرخ بعبارة واحدة: “البريميرليغ أصبح مملاً!”.

فهل نحن أمام ظاهرة حقيقية وأزمة متعة تضرب عصب الكرة الإنجليزية؟ أم أن الأمر مجرد “حنين إلى الماضي” ومبالغة من جمهور استهلكته كثافة المتابعة؟

1. حجج الفريقين: بين واقع الملل ومبالغة الجماهير

قبل الغوص في الأسباب التكتيكية والمالية، يجب أن نفكك طبيعة الشكوى نفسها:

  • فريق “البريميرليغ أصبح مملاً”: يستند أصحاب هذا الطرح إلى تحول المباريات الكبرى (Big Games) إلى صراعات تكتيكية مغلقة تشبه معارك الشطرنج، مع غياب الفرديات الساحرة، وسيطرة أسلوب الاستحواذ الآلي الذي يقتل العفوية والإثارة.
  • فريق “الجمهور يبالغ”: يرى أن الدوري الإنجليزي لا يزال الأعلى إثارة من حيث التنافسية الرقمية، وشدة الصراع على الهبوط والمقاعد الأوروبية، وأن الجماهير أصبحت “مشبعة” من كثرة مشاهدة كرة القدم يومياً حتى فقدت شغف الدهشة.

الواقع يؤكد أن المتعة لم تختفِ تماماً، لكن “طبيعة المتعة” نفسها تغيرت؛ ما أدى إلى صدمة لدى المشاهد التقليدي الذي ارتبط شغفه بالكرة السريعة والمفتوحة.

2. أسباب اختفاء المتعة: تشريح لأزمات كرة القدم الحديثة

عند تحليل العوامل التي أدت إلى تراجع القيمة الترفيهية للمباريات، نجد أن هناك 4 متهمين رئيسيين يقفون وراء هذه الظاهرة:

أ. “التدريب الآلي” وهيمنة صرامة التكتيك على حساب الفردية

السبب الأول والأهم يكمن في هيمنة مدرسة “الهيكلة الصارمة” (Positioning/Positional Play) التي أسس لها بيب غوارديولا وتأثر بها معظم مدربي الجيل الحالي (مثل ميكيل أرتيتا وإنزو ماريسكا).

  • أصبح اللاعب مجرد “ترس” في منظومة تكتيكية دقيقة تتطلب الالتزام بمساحات محددة بالسنتمتر.
  • اختفت مهارات الارتجال، والمراوغة الفردية الشجاعة، والابتكار الشخصي؛ لأن الخطأ الفردي أصبح يُعاقب عليه اللاعب بالاستبعاد.
  • تحولت المباريات إلى مواجهات بين “خوارزميات تكتيكية” بدلاً من صراع بين مهارات البشر.

ب. الهيمنة المالية والطبقية الشديدة

على الرغم من التسويق لـ “العدالة المالية” في إنجلترا، إلا أن الفوارق الاقتصادية أنشأت طبقية واضحة:

  • سيطرة مانشستر سيتي على اللقب لسنوات طويلة خلقت حالة من الروتين واليقين بالنتيجة النهائية، وهو العدو الأول للإثارة.
  • الفرق الصغرى والمتوسطة أصبحت تدخل المباريات أمام الكبار بهدف واحد: تضييق المساحات والدفاع المنخفض (Low Block) للخروج بأقل الأضرار، مما ينتج مباريات في اتجاه واحد (فريق يهاجم حصناً مغلقاً لمدة 90 دقيقة).

ج. تقنية الفار (VAR) وقتل رتم المباراة والاحتفال

أثرت تقنية الفيديو بشكل مباشر على التدفّق الطبيعي للمباراة (Flow):

  • التوقفات الطويلة لمراجعة اللقطات بالمليمتر قتلت الحماس الجماهيري ورتم اللاعبين داخل الملعب.
  • سُلبت من المشاهد واللاعب “لحظة الانفجار العاطفي” عند تسجيل الهدف، حيث أصبحت الفرحة معلقة ومصحوبة بالقلق انتظاراً لقرار الغرفة المظلمة.

د. الإرهاق البدني والرزنامة الخانقة

لاعبو البريميرليغ يخوضون مباريات كل 3 أيام بين الدوري، الكؤوس المحلية، والبطولات الأوروبية الموسعة، إضافة إلى التوقفات الدولية. هذا الضغط الرهيب أدى إلى:

  • انخفاض معدلات السرعة واللياقة في الشوط الثاني من المباريات.
  • تفاقم إصابات النجوم الكبار، مما يُفرغ المباريات من عناصر الإمتاع الرئيسية.
  • لجوء المدربين لإدارة المباريات بـ “اقتصاد بدني” للحفاظ على اللاعبين بدلاً من الاندفاع والبحث عن الأهداف.

3. هل أصبحت كرة القدم برماجيات بلا روح؟

المرارة التي يشعر بها المتابع اليوم لا تكمن فقط في قلّة الأهداف، بل في فقدان العفوية. في الماضي، كانت متعة البريميرليغ تكمن في “الفوضى المنظمة” (Organized Chaos)؛ أخطاء دفاعية، هجمات مرتدة خاطفة، ومراوغات فردية تُلهب الحماس.

اليوم، تحولت اللعبة إلى صناعة دقيقة تُدار بالبيانات والتحليلات الإحصائية (Expected Goals – xG)، مما خنق سحر اللعبة وحولها إلى منتج مكرر يخلو من الشغف الإنساني.

بين المبالغة الجماهيرية والواقع الملموس، يمكن القول إن البريميرليغ لم يصبح مملاً بالكامل، لكنه أصبح أقل عفوية وأكثر آلية. المشاهد لم يعد يرى صراعاً بين أبطال ورجال في الملعب بقدر ما يرى تطبيقاً لتعليمات تكتيكية صارمة.

إن أرادت كرة القدم الإنجليزية استعادة سحرها التاريخي، فعليها أن تمنح المساحة مجدداً للاعب المبتكر، وأن توازن بين هوس التكتيك والتحليل، وبين روح اللعبة البسيطة التي أحبها العالم من أجلها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك