حين ننخدع في المجتمع.. (خسارة محمد مثالًا)

رشيد مصباح (فوزي)

أعرف محمد منذ أيام الثانوية. جمعتنا صداقة امتدّت لأكثر من خمسة وأربعين عامًا، وهي مدة كافية لأن يعرف المرء من صديقه أشياء قد لا يراها الآخرون، أو لا يمنحونها ما تستحقّه من اهتمام.

ومحمد، كما عرفته، ليس شخصًا عاديًا في اهتماماته وميوله، وفي تمتّعه بسرعة البديهة والفطنة والذكاء الحاد. وله قدرة لافتة على إتقان اللغات؛ العربية والفرنسية والإنجليزية، التي يفضّلها، وتقرّبه أكثر من المشاهير وعالم السياسة ونجوم الفن. فهو يعشق الموسيقى، ولا سيما الفن الغربي الملتزم الذي يحمل موقفًا من الإنسان وقضاياه، كما أنه عازف متميز على القيثارة.

وهو، إلى جانب ذلك، متديّن في قناعاته وسلوكه، لكنه لا يجد نفسه في التديّن الشكلي، ولا يتقبّل النفاق الاجتماعي حين يتخفّى وراء المظاهر والقيم المعلنة. إنه يحب ما يؤمن به، لكنه لا يرى في الإيمان سببًا للتخلّي عن التفكير أو التسليم بكل ما يحيط به.

ومع ذلك، لم تسر حياته كما كان يمكن أن يتمنى. كانت لديه أفكار حاول من خلالها تنفيذ بعض المشاريع، لكنه لم ينجح في تحقيق ما أراد. وحين يصطدم الطموح بالعراقيل، ويغيب الدعم وتضيق الفرص، ويجد الإنسان نفسه أمام من لا يفهمه أو يشكّك في قدراته، تصبح الخيبة أثقل من مجرد مشروع لم ينجح.

ما يؤلمني في أمر محمد ليس أنه أخفق في بعض محاولاته؛ فالإخفاق جزء من حياة كل إنسان، ولا أحد يملك ضمانات النجاح. ما يؤلمني هو احتمال أن تتحوّل تلك الإخفاقات، مع سوء الفهم المتكرر، إلى شكّ في النفس، وأن يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى إثبات قدراته للآخرين بدلًا من الانشغال باستثمارها وتطويرها.

أقول هذا لأنني أعرف محمد منذ زمن طويل، ولأن ما أراه فيه لا يختصره ما حققه أو لم يحققه. لكنني أعرف أيضًا أن تقديري له لا يكفي وحده لتغيير واقعه، وأن الصداقة، مهما طالت، لا تستطيع أن تعوّض الإنسان عن كل فرصة ضاعت منه، أو أن تحقّق له ما عجز عن تحقيقه بنفسه.

ولطالما اعتبرتُ محمدًا ضحيةً لسوء الفهم وسوء التقدير، وللفجوة التي تفصله عن محيط لا يشعر بالانسجام معه. فقد يظن المرء أن مجتمعه سيمنحه فرصة لعرض أفكاره، وأن الآخرين سيناقشونها بعد فهمها، ثم يكتشف أن سوء الفهم قد يسبق الحوار، وأن التشكيك قد يحلّ محل التشجيع، وأن أفكاره قد لا تجد طريقها إلى الواقع، لا لأن نجاحها مضمون لو أُتيحت لها الفرصة، بل لأنها لم تجد من يساعده على اختبارها بجدية وإنصاف.

لا أقول إن المجتمع مسؤول عن كل إخفاق، ولا إن الإنسان الذي يملك مواهب متعددة لا يخطئ في تقدير قدراته أو اختيار مشاريعه. لكنني أرفض، في المقابل، أن نقيس قيمة الإنسان بما حققه وحده، أو أن نعتبر تعثّره دليلًا كافيًا على أنه لم يكن يملك ما يستحق المحاولة.

فليست كل موهبة مشروعًا ناجحًا، وليس كل صاحب فكرة قادرًا على تنفيذها، لكن ذلك لا يمنع أن يكون وراء بعض الإخفاقات إنسان كان يحتاج إلى فرصة، أو إلى من يفهمه، أو إلى من يناقش أفكاره دون أن ينتقص منه.

إن خسارة الإنسان لنفسه أمر موجع؛ أن يفقد شيئًا من ثقته بقدراته، وأن تتراجع رغبته في المحاولة، وأن يصبح ما كان يراه ممكنًا بعيدًا عن متناول يده. لكن ثمة خسارة أخرى لا تقل أهمية: خسارة المجتمع لما كان يمكن أن يقدّمه هذا الإنسان لو وجد الظروف التي تساعده على تحويل أفكاره واهتماماته إلى شيء ملموس.

وهذه هي الخسارة التي أخشاها على محمد: لا أن يكون قد أخفق في بعض مشاريعه فحسب، بل أن تنتهي به الخيبات إلى إهدار ما بقي لديه من رغبة في المحاولة. فالمواهب لا تُقاس دائمًا بما أنتجته، كما أن ما لم يتحقّق لا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين ما كان يمكن أن يصبح عليه. لكن من المؤسف أن يُترك الإنسان وحيدًا مع أسئلته، وأن يُختزل في نتائج محاولاته، من دون أن يُنظر إلى ما بذله أو إلى ما كان يطمح إلى تحقيقه.

ولستُ أكتب هذا لأمنح صديقي شهادة تفوّق، أو لأضعه فوق النقد، ولا لأحمّل المجتمع وحده مسؤولية ما مرّ به. أكتب لأنني أعتقد أن من حق الإنسان أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه، وأن تُناقش أفكاره قبل أن تُرفض، وأن يجد في محيطه من يختلف معه دون أن يشكّكه في قيمته.

محمد صديقي منذ أكثر من خمسة وأربعين عامًا، وهذه الصداقة تجعلني أرى فيه أكثر من حصيلة نجاحاته وإخفاقاته. وقد لا أستطيع أن أغيّر ما مضى، ولا أن أفتح أمامه أبوابًا لم تُفتح من قبل، لكنني أستطيع أن أقول ما أراه فيه، وأن أذكّر بأن الإنسان لا يفقد قيمته حين تتعثّر مشاريعه، ولا يصبح بلا جدوى لأن الآخرين لم يفهموه كما كان يأمل.

فحين يخسر الإنسان ثقته بنفسه، تكون الخسارة شخصية ومؤلمة؛ وحين يخسر المجتمع إنسانًا كان يمكن أن ينتفع بما لديه، تصبح الخسارة أوسع من أن تخصّ فردًا واحدًا.

ولعلّ هذا هو المعنى الذي أردتُ الوصول إليه حين فكّرت في الانخداع بالمجتمع: ليس أن المجتمع يخدعنا جميعًا، ولا أن كل إنسان مختلف ضحية، بل أن بعض الخيبات تترك وراءها سؤالًا لا يسهل تجاهله:

كم من إنسان خسر شيئًا من نفسه وهو يحاول أن يجد مكانه في محيطه، وكم خسر ذلك المحيط حين لم يستطع أن يمنحه فرصة حقيقية ليُظهر ما يستطيع تقديمه؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك