الأصل الأول النشأة و تشكل شخصية بنيامين نتنياهو .. كيف تُشكّل عقلية بنيامين نتنياهو؟

عزيز ناصر بالاعتماد على اشرطة وثائقية

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظل اسمه حاضراً في قلب السياسة الشرق أوسطية والعالمية. يُلقبه مؤيدوه بـ “بيبي”، ويوصف لدى خصومه بـ “سيد الخوف” و”ملك التكتيك السياسي”. لكن خلف التصريحات النارية والخطابات الحماسية، تقبع بنية فكرية معقدة، شُكّلت في صهر العائلة، والظروف السياسية، والتحولات الاجتماعية لمجتمع يعيش على صفيح ساخن.

فمن هو بنيامين نتنياهو حقيقة؟ وكيف صنعت العقيدة العائلية والتنشئة المركبة عقلية الرجل الذي يقود أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل؟

ظل الأب.. عقيدة صهيونية صلبة

في تل أبيب عام 1949، ولد بنيامين نتنياهو، لكن جذوره الفكرية تعود إلى والده، بنسيون نتنياهو، المؤرخ المتخصص في تاريخ محاكم التفتيش الإسبانية والسكرتير الشخصي السابق لـ “فلاديمير جابوتينسكي”، مؤسس التيار الصهيوني التنقيحي اليميني.

ولم يكن الأب مجرد والد، بل كان المرشد الروحي والفكري الذي زرع في عقل ابنه رؤية سوداوية للكون تقوم على ثلاثية ثابته:

  1. العداء الأبدي: التهديد الوجودي لليهود مستمر ولن ينتهي، ويتغير شكله عبر التاريخ من محاكم التفتيش إلى النازية ثم البيئة الإقليمية المحيطة.
  2. عدم الثقة بالآخرين: الاعتماد التام على القوة العسكرية الذاتية وعدم الرهان على السلام أو الوعود الدولية.
  3. رفض الدولة الفلسطينية: اعتبار أي تنازل عن الأرض بمثابة تهديد وجودي للمشروع الصهيوني.

كان بنسيون يعتقد أن العرب يرفضون الوجود اليهودي مبدئياً وليس على أساس حدود أو جغرافيا، وتلك الفكرة تحديداً شكلت العصب الأساسي في تفكير نتنياهو حتى اليوم.

صدمة “سيريت متكال” ومأساة “يوني”

انضم بنيامين نتنياهو لفرقة النخبة في الجيش الإسرائيلي (سيريت متكال)، وشارك في عمليات معقدة. لكن النقطة الفاصلة في حياته الشخصية والسياسية وقعت عام 1976، عندما قُتل شقيقه الأكبر يوناتان (يوني) أثناء قيادته لعملية عنتيبي في أوجندا لإنقاذ الرهائن الإسرائيليين.

تحول “يوني” إلى بطل قومي، وتحولت مأساته لدى عائلة نتنياهو إلى دافع سياسي؛ إذ استغل بنيامين هذا الحدث ليؤسس معقلاً فكرياً باسم شقيقه لمعالجة ما أسماه “الإرهاب”، وهو المعهد الذي أطلقه إلى الشاشة والإعلام الأمريكي، حيث قدم نفسه كـ “خبير عالمي في مكافحة الإرهاب”. ترك مقتل يوني جرحاً عميقاً في نفسية بنيامين، ولكنه أعطاه أيضاً شرعية أخلاقية وسياسية داخل مجتمع يقوم على تقديس تضحيات الجيش.

التجربة الأمريكية وتشكيل “الصوت الإعلامي”

عاش نتنياهو جزءاً كبيراً من شبابه في الولايات المتحدة، ودرس في جامعة MIT المرموقة. هذه الفترة أكسَبَته لغة إنجليزية ممتازة وفهماً عميقاً للإعلام الغربي والتكتيكات الانتخابية الأمريكية.

وفي الثمانينيات، وأثناء عمله سفيرًا لإسرائيل في الأمم المتحدة، ظهر “بيبي” كوجه حديث للتصحيح الإعلامي الإسرائيلي (الإسباراه)، حيث استطاع مخاطبة الغرب باللغة التي يفهمها، مدمجاً المفاهيم الأمنية الإسرائيلية بالخطاب المحافظ الأمريكي.

الصعود إلى السلطة.. اللعب على الشروخ الاجتماعية

شهدت التسعينيات التحول الأكبر في المسار السياسي لنتنياهو. عقب التوقيع على اتفاقيات أوسلو، قاد نتنياهو المعارضة بأسلوب شرس، متكئاً على حالة الخوف والمشاعر القومية لدى قطاعات واسعة من الشارع.

واستغل بذكاء الشروخ الاجتماعية والتاريخية الداخلية:

  • الشرقيون (المزراحيون) ضد الإشكناز (النخبة المؤسسة العلمانية).
  • المتدينون واليمين ضد المعسكر العلماني واليساري.

عقب اغتيال إسحاق رابين وتصاعد العمليات الميدانية، فاز نتنياهو برئاسة الوزراء لأول مرة عام 1996 تحت شعار: “نتنياهو.. من أجل أمن دائم”.

البقاء والبراغماتية.. إدارة الصراع لا حله

تستند استراتيجية نتنياهو في الحكم على أصل فكري يُعرف بـ “إدارة الصراع” (Conflict Management) بدلاً من حله.

تتلخص عقيدته السياسية في أربعة محاور:

  1. تقزيم القضية الفلسطينية: الشراء بالوقت، تعميق الانقسام الداخلي الفلسطيني، وإقناع العالم أن السلام ممكن مع البيئة المحيطة دون حل القضية الفلسطينية.
  2. الردع العسكري المفرط: استخدام القوة العسكرية لحفظ “هدوء مؤقت” دون الخوض في حلول سياسية جذريّة.
  3. التخويف من البعبع الخارجي: تركيز الخطاب الداخلي والخارجي على الخطر الإيراني كمهدد وجودي لإبقاء الشارع في حالة تعبئة دائمة.
  4. البقاء في السلطة بأي ثمن: المرونة والبراغماتية الشديدة للتحالف مع أقصى أطياف اليمين الفاشي أو الديني لحماية مستقبله السياسي والمحاكمات القضائية التي تواجهه.

شكلت العقيدة العائلية المشبعة بالخوف والتاريخ الشاق، إلى جانب مأساة شقيقه، والخبرة الإعلامية الأمريكية، الهيكل الأساسي لشخصية بنيامين نتنياهو.

صنع نتنياهو لنفسه صورة “المدافع الأول عن إسرائيل”، لكن سياسته القائمة على تقديس القوة وتأجيل الأزمات قادت المنطقة إلى انفجارات متتالية. وبينما يرى فيه أنصاره المُنقذ التاريخي، يرى فيه نقاده الرجل الذي ضحى بالمستقبل من أجل البقاء في السلطة.. ليبقى بنيامين نتنياهو شاهداً ومهندساً لأحد أكثر الفصول تعقيداً ودموية في تاريخ المنطقة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك