من يتحدث مع عقلك كل ساعة وكل دقيقة؟
اسيا مداني
كل عذابك، وسهرك، وبكائك، وخوفك من المستقبل، وحزنك على الماضي.. ليس سوى بناء وهمي ضخم ومتقن، قائم على كذبة واحدة فقط صدقتها بكل جوارحك وعمّدتها بدموعك؛ تلك الكذبة التي توهمك بأن هناك “شخصاً” حقيقياً ومستقلاً داخل رأسك يجب الدفاع عنه وإنقاذه باستمرار.
أنت طوال حياتك تعتقد أنك “أنور”، أو فلان، أو علان.. تظن أنك ذلك الشخص الذي تعرض للفشل، أو الشخص الذي وقع عليه الظلم، أو الكائن الهش الذي يرتجف خوفاً من ألا يحقق نجاحاً يرضي محيطه أو نفسه. لقد تقمصت الدور بكامل تفاصيله، وبكيت لأجل قصص رسمها عقلك، وصدقت مسرحية أنت بطلها ومؤلفها في آن واحد.
لكن الحقيقة الخارقة التي قد تصعقك الآن، وتزلزل أركان إدراكك المعتاد، هي: هذا الشخص الذي تخافه وتشففق عليه.. لا وجود له في الواقع.
الوهم الكبير: من هو “أنا”؟
إذا سألت نفسك بصدق: من أنا؟ سيهرع عقلك فوراً لتقديم قائمة طويلة من الإجابات الجاهزة: أنا المهندس فلان، أنا الابن المصدوم، أنا الموظف الذي تعرض للظلم، أنا الشخص الذي خسر ماله أو علاقته العاطفية. لكن هذه الإجابات بأكملها لا تعبر عن حقيقتك الجوهرية، بل تعبر عن “محتوى” شاشتك الذهنية لا غير.
هذا الشخص المفترض ليس سوى مجرد تداعي لمجموعة من الذكريات القديمة، والأفكار المتراكمة، والسيناريوهات الوهمية المستقبلية، والبرمجة الاجتماعية والنفسية السابقة التي تتجمع تلقائياً في رأسك كل صباح، لتنسج هوية وهمية تطلق على نفسها اسماً ومساراً. إن العقل عبارة عن آلة سرد لا تتوقف؛ تأخذ مواقف من الطفولة، وجروحاً من المراهقة، ومخاوف من الغد، وتدمجها في قالب واحد صلب تسميه “أنا”.
أنت لست هذا الشخص المكتظ بالهموم والتعاريف؛ بل أنت المساحة الأوسع، أنت ذلك الهدوء الخفي، أنت “اللاشيء” أو الوعي الصافي الذي يراقب هذا الشخص وهو يتحرك، وينفعل، ويتألم، ويلهث خلف سراب الأيام.
الصوت المستبد في رأسك
منذ لحظة استيقاظك وحتى آخِر ثقوب الليل، هناك صوت لا ينقطع في رأسك؛ يحلل، ويحكم، ويقلق، ويؤنب. إنه المذياع الداخلي الذي لا يغلق أبداً. هذا الصوت يقنعك دائماً بأنه “أنت”، وبأنه يدافع عن مصالحك.
ولكن، اسأل نفسك بجدية: لو كان هذا الصوت هو أنت حقاً، فمن إذن هو الذي يسمعه ويراقبه؟ حين تغضب، هناك جزء منك يلاحظ أنك غاضب. وحين تخاف، هناك مساحة ساكنة في داخلك تشهد هذا الخوف. هذه المساحة الساكنة هي أنت الحقيقي؛ أما الخوف والغضب والصوت المستبد، فهي مجرد ظواهر عابرة تمر في سماء وعيك الواسع، كالسحب المتكاثفة التي لا تملك من الأمر شيئاً سوى العبور.
حين تتوقف عن التوحد مع هذا الصوت المتحدث في رأسك، وتدرك أنك المراقب لا المُراقَب، ينتهي العذاب تلقائياً وتتبدد المخاوف تدريجياً.
التحرر من سجن الهوية المصطنعة
إن المعاناة البشرية الكبرى تنبع حصراً من التمسك بهذا الوهم. فنحن لا نتألم من الأحداث ذاتها، بل نتألم من “القصة” التي يرويها العقل عن تلك الأحداث، ومن ارتباطنا العاطفي العنيف بصورة “الشخص” الذي وقع عليه الضرر.
حين تدرك يقيناً أن هذا الشخص الوهمي لا وجود له بمعزل عن أفكارك عنه، يسقط ثقل العالم عن كتفيك. لن تحتاج بعد اليوم إلى إثبات تفوقك لأحد، ولن تحترق أعصابك دفاعاً عن هشة صورة مزيفة صنعتها الأيام. ستنظر إلى مشاكلك ومخاوفك كما ينظر البالغ إلى مسرحية أطفال؛ فيها الكثير من الصخب الظاهري، لكنها في النهاية مجرد خيال يزول مع انقشاع الستار. استرخِ، وعد إلى حقيقتك الواسعة الساكنة، ودع الوهم يمرّ بسلام.


إرسال التعليق