واحة التسليم: حين يطمئن القلب إلى أقدار الله

كريمة حسناوة

يمرُّ الإنسان أحياناً بلحظات يغرق فيها في التفكير المفرط، ظاناً أن ما فاته كان يمكن منعه، وأن ما أصابه كان يمكن دفعه، ناسياً أن كل شيء جرى بعلم لا يخطئ وحكمة لا ترى. إنها حالة شعورية متكررة تعتري النفس البشرية حين تصطدم الإرادة المحدودة بجدران الأقدار النافذة، فيبدأ العقل في اجترار الأسئلة المؤلمة وتأنيب الذات على ما كان وما لم يكن.

وفي خضم هذه الدوامة النفسية، تبرز التوجيهات النبوية الشريفة كمصباح منير يَبُدد ظلمات القلق؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود وهو حزين: «لا تكثر همّك، ما يُقدّر يكن، وما تُرْزَق يأتك». هذه الجملة العميقة، لو أنها سكنت القلب حقاً، لكفت الإنسان وأراحته من ثقل الدنيا وأحمالها الزائدة. إنها دعوة صريحة لتقليص مساحات الهمّ والاستسلام لليقين بأن التدبير بيد خالق حكيم.

إن الإيمان بقضاء الله وقدره يرتكز على قاعدة صلبة لا تلين؛ فما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولو اجتمعت الدنيا كلها على أن يغيروا شيئاً من ذلك ما استطاعوا. هذا اليقين هو الحصن الذي يمنع الإنسان من أن يُتعب نفسه في مطاردة ما انتهى، أو أن يهلك قلبه بالسؤال الدائم “لماذا؟”. فبعض الأبواب التي تُغلق في وجوهنا لا تمثل حرماناً، بل هي رحمة خفية تقينا شراً لا نعلمه.

إن الرزق والقدر قادمان لا محالة؛ فرزقك سيأتيك ولو تأخر، وقدرك سيلاحقك أينما كنت ولو هربت منه. وما كتبه الله ألا يكون لك فلن تملكه أبداً، ولو كان بين يديك تلمسه بأصابعك. من هنا يتضح أن راحة القلب الحقيقية ليست في إدراك كُنل الأشياء وفهم أسرارها كاملة، بل في التسليم المطلق بأن كل شيء قد وُضع في مكانه الصحيح بحكمة بالغة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك