بين التجاوز والاستملاح الجرح ليس وساماً والبؤس ليس إنجازاً
اسيا معروف
الإنسانية النبيلة تجعلنا نندفع لمد يد العون لمن يحتاج المساعدة، ونقف بجانب المكسورين والمتألمين في محنهم. إن مساعدة المحتاج واجب أخلاقي وإنساني لا نقاش فيه؛ لكن الإشكالية الثقافية والنفسية تبدأ عندما نتعدى حد “التعاطف والدعم” لننتقل إلى “تقديس المعاناة”، وصناعة هالة من الفضيلة والبطولة حول العجز والتعثر.
تقديس المعاناة: وهم العمق والتميز
سادت في الكثير من الأوساط ثقافة رومانسية مغلوطة تربط بين الألم والعمق الإنساني، وكأن الفرد لا يصبح أثيراً أو مشرقاً إلا إذا مرّ بمرارة أو انكسار. يُروج أحياناً لأن الحزين أكثر إحساساً من المبتسم، وأن الفاشل أكثر تجربة من الناجح، وأن المكسور أكثر عمقاً من المتعافي.
إن الألم في ذاته ليس فضيلة، والبؤس ليس إنجازاً يُفخر به. التعثر والألم تجارب قاسية ومجرد أحداث تطرأ على المسار البشري، وليست دليلاً على أسبقية أخلاقية أو تفوق فكري. جعل العجز بطولة يُغري المرء بالاستمرار فيه، ويحوله من محطة طارئة يُرجى تجاوزها إلى حالة استقرار يتغذى منها الأنا ويدعي بها الاستثناء.
نمطان من البشر أمام المأساة
تتفاوت استجابات الناس أمام الشدائد والآلام الصعبة، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين نهجين في إدارة المعاناة:
- صنّاع التجاوز والإبداع: هناك من يستقبل ضربات الحياة، فيتألم حقيقةً ويدفع ضريبة الحزن كاملة، لكنه يرفض أن يُختزل وجوده في تلكم الضربات. يتخذ من ألمه الوقود للإبداع، ومن تعثره الدرس للنهوض، ليصنع تجربة ملهمة تتجاوز المأساة وتتعداها نحو البناء والتأثير.
- صنّاع الهوية حول الجرح: وفي المقابل، هناك من يستطيب دور “الضحية”، ويقضي بقية حياته في نسج شخصيته الكاملة، وهويته، وعلاقاته حول المأساة التي تعرض لها. يصبح الحديث عن الجرح القديم هو وسيلته الوحيدة لتعريف نفسه، وورقته الرابحة لكسب التعاطف وتفسير أي تقصير أو عجز مستقبلي.
الفارق ليس في حجم المأساة بل في الإرادة
قد يظن البعض أن المنكسرين الذين بقوا أسارى لآلامهم مروا بظروف أعتى ممن تجاوزوا. غير أن استقراء الواقع والقصص البشرية يثبت أن الفرق بين الاثنين ليس دائماً في حجم المأساة، إنما في مقدار ما يريد كل واحد منهما أن يبقى أسيراً لها.
الأسر في المأساة هو قرار واعي أو شبه واعي؛ يُعفي صاحبه من مسؤولية المحاولة، ومخاطرة السعي، ومتطلبات التعافي. أما التجاوز فهو قرار شجاع يتطلب مواجهة النفس، والتخلي عن التميز الموهوم الذي يمنحه دور الضحية، والقبول بمسؤولية بناء الذات من جديد.
خلاصة: ساعدوا الملتجئين والموجوعين، ومدوا لهم أيديكم ليرتفعوا ويتجاوزوا، لكن لا تكرسوا عجزهم كأنه مزية، ولا تصنعوا من بؤسهم بطولة. العظمة الحقيقية لا تكمن في الاستغراق في الجراح واستثارة العطف، بل في تجرؤ الإنسان على الشفاء، والنهوض من تحت ركام المأساة ليصنع حياة جديدة ملؤها العطاء والأمل.



إرسال التعليق