بعد سنوات طويلة عرفت أن سائق الوزير أفضل من الوزير!
هناء حلمي
يا سادة الهيبة الزائفة والمناصب التي تتبخر بمجرد خروج صاحبها من الباب الخلفي للوزارة، تعالوا أجلسكم معي جلسة “اكتشافات متأخرة” قد تمنحكم صدمة حضارية مجانية تعوضكم عن ارتفاع أسعار السلع.
بعد سنوات طويلة من العمر، ومتابعة دقيقة لخبايا المجتمع، والسياسة، ومظاهر “البزخ المكتبي”، توصلت إلى حقيقة كونيّة مذهلة لا غبار عليها: سائق الوزير.. أفضل بكثير من الوزير نفسه!
نعم يا أصدقائي، لا تتعجبوا ولا ترفعوا حاجبكم الاستنكاري. دعوني أشرح لكم الفارق الفلسفي والعملي بين الكائنين، وكيف خدعتنا المظاهر طويلاً.
الوزير: “البرستيج” الذي بلا بركة!
الوزير، أطال الله في عمر كرسيه المؤقت، هو ذلك الكائن الذي يعيش طوال فترة ولايته في قفص من “البروتوكول البلاستيكي”. يرتدي البدلة الرسمية الضيقة، ويجلس خلف مكتب مهيب، ويقضي وقته في افتتاح مشاريع وهمية، وتوقيع أوراق لا يعلم ما تحويه أصلاً، وهو صاك أسنانه خوفاً من تعديل وزاري مفاجئ يطيح به إلى “البيت المعمور”!
الوزير يا سادة، لا يستطيع أن يمشي في الشارع بحرية، ولا أن يأكل “سندوتش طعمية” ساخن على الرصيف، ولا أن يشتم السائق الذي كاد يدوس على قدمه، لأنه دائماً “تحت المجهر”. باختصار، هو سجين الكرسي، وراتبه يذهب نصفه على تنظيف البدلات، والنصف الآخر على ابتسامات زائفة لعدسات الصحفيين.
سائق الوزير: الفيلسوف الحقيقي للسلطة!
أما “سائق الوزير” الحبيب، فهو الكائن الأذكى على وجه الأرض. الرجل يجلس في المقعد الأمامي للسيارات الفارهة (التي تملكها الدولة طبعاً)، يضع نظارته الشمسية السوداء، ويستمع بهدوء إلى “أم كلثوم” أو “عبد الحليم”، بينما الوزير المسكين يغلي من الداخل في المقعد الخلفي بسبب مكالمة هاتفية مزعجة من رئيس الحكومة!
السائق يمتلك ما لا يمتلكه الوزير:
- أسرار الدولة في “الدرج”: السائق هو من يسمع المكالمات السرية للوزير، ويعرف أين يقابل فلان، ومن يتآمر على علان، وهو المالك الحصري لخريطة الأسرار، لكنه “أصم أعمى أبكم” وقت مصلحته، يتقاضى راتبه ويصمت باحترافية.
- الحرية المطلقة: بعد أن يوصل معاليه إلى قاعة المؤتمرات، يذهب السائق ليشرب الشاي مع عمال الاستراحة، ويأكل الفول، ويتبادل النكات، ويمارس حياته بشكل طبيعي تماماً، بلا بروتوكولات ولا حراسة مشددة.
- البقاء للأذكى: الوزير يذهب ويزول ويصبح في خبر كان بعد أول تعديل، بينما السائق يبقى في مكانه، يخدم الوزير الجديد، ويستقبل سيارة الوزير اللاحق، وهو يبتسم لنفسه في المرآة قائلاً: “الوزراء زائلون.. أما السائقون فباقون إلى الأبد!”.
لذا يا سادة، في المرة القادمة التي ترون فيها موكباً وزارياً مهيباً يمر أمامكم بسرعة البرق، لا تنظروا بانبهار إلى ذلك المسكين الجالس في الخلف، بل انظروا باحترام عميق لذلك الهادئ الواثق في المقعد الأمامي.
فهو من يمسك بـ “الدركسيون”، وهو من يقرر متى يصلون ومتى يتأخرون، وهو المالك الحقيقي لزمام الأمور!
تصبحون على عقل راجح، وسيارات حكومية لا تنفد بنزينها أبداً!


إرسال التعليق