خرائط الأرواح.. لماذا نبسط أوراقنا لمن لا يحسن القراءة؟
هناء حلمي
يا سادة يا أعيام، ويا رعاكة الإنسانية الحائرة في زمن “الفضفاضة الاجتماعية”، يبدو أننا بحاجة ماسة إلى تأسيس فرع جديد في الجامعات يُدرس تحت عنوان: “علم الحذر من سيل الأسئلة البريئة”.
فالحياة علمتنا، وبالمجان للأسف، أن ليس كل من يرتدي معطف الفيلسوف الحنون وهو يسألك “إيه أخبورك؟ وإيه خططك؟ وناوي تعمل إيه الأسبوع الجاي؟” هو فعلاً مهتم بصحتك النفسية أو بمستقبلك المجيد. بعض هؤلاء الأشخاص ليسوا سوى باحثين اجتماعيين متطوعين في وكالة المخابرات الخاصة ببيئتك المحيطة!هم لا يجمعون معلوماتك بدافع الفضول العابر، لا والله… بل بدافع الحاجة الملحة إلى معرفة: أين تؤلمك؟ ماذا تخاف؟ ماذا تريد؟ ومتى تتردد؟
يا جماعة، انتبهوا! كلما شرحت نفسك أكثر، كلما بذلت مجهوداً جباراً لتبرير أفعالك لمن لا يملك القدر أصلاً على استيعابها، منحت الآخرين أجزاءً أثمن من خريطتك الداخلية. تصبح كمن يمسك بخريطة الكنز ويهديها لطاعون الخفافيش على طبق من فضة.
تخيل معي عزيزي القارئ أنك تقف في جلسة عائلية أو عمل، وتبدأ بكل براءة وسذاجة في كشف دوافعك، وأسرارك، وخططك المستقبلية، وحتى نقاط ضعفك التي لا تعرفها عمتك صابرين ولا زميلك في المكتب سامح. وما هي إلا لحظات حتى يصبح من السهل جداً على من لا يحترمك ولا يقدر قيمتك أن يتنبأ بخطوتك القادمة… و”يا سلام” لو استخدم ما عرفه ضدك في أول منعطف أو خناقة! تصبح كالمرشح الرئاسي الذي كشف عن كل نقاط ضعفه الانتخابية لخصمه قبل بدء المعركة بخمس دقائق.
الشفافية المطلقة في عالم مليء بالمراوغين هي نوع من أنواع الانتحار الفكري والوجداني. ليس مطلوباً منك أن تتحول إلى لغز صيني محير أو كائن فضائي يعيش في مغارة، ولكن تذكر دائماً أن “لسانك حصانك، إن صُنته صُنك، وإن خنته… باعك في سوق النخاسة بأبخس ثمن”.
فارفقوا بأنفسكم، وفرّوا شرحكم لمن يستحقونه فقط، واحتفظوا ببعض الغموض الجميل؛ فليس كل من اقترب منك يريد لك الخير، وبعض الأحيان، الصمت الإيجابي المريب هو أفضل رد على من يريد أن يمسك بيدك ليقيس نبض خوفك لا أكثر!


إرسال التعليق