صكوك الغفران الثوري: عندما تصبح المعارضة “محكمة تفتيش” وتخوين!

أنوار عبد العظيم

عزيزي القارئ، إن كنت تعتقد أن العصور الوسطى بكل محاكم تفتيشها، وصكوك غفرانها، وسياطها الأخلاقية قد انتهت بلا رجعة، فأنت بلا شك لم تتصفح منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً، ولم تحضر جلسات “التحقيق الثوري” التي يقودها بعض فرسان المعارضة الرقمية!

في الماضي العريق، كانت المعارضة ترف رفعة الشجعان؛ تقارع الحجة بالحجة، وتنتقد القرارات الاقتصادية، وتفند البرامج الحكومية ببيانات رصينة وخطابات توقظ الأمة من سباتها. أما اليوم، وفي عصر السرعة والتريند، فقد اختصر البعض “النضال” في هويات جاهزة وصكوك توزيع وطنية، لدرجة أنك لو تجرأت وقدمت ملاحظة بسيطة تفيد بأن “الطقس جميل اليوم”، لخرج عليك فورا معارض صنديد يتساءل بصوت جهوري مشحون بالدراما: “وماذا تقصد بالطقس الجميل؟! ألا تشعر بمعاناة الجماهير الكادحة تحت الشمس؟! إن تصريحك هذا يخدم أجندة الإمبريالية العالمية ويصب في مصلحة الفلول!”.

تهمة “العمالة” بخصم خمسين بالمئة!

أصبح الشعار الرسمي لهذا الصنف من المعارضة الاستبدادية اختزال التاريخ والجغرافيا والفكر في ملصق واحد جاهز للاستخدام: “إما معنا.. وإما خائن وعميل ومأجور”. لم تعد هناك مساحة رمادية للاختلاف في الرأي، ولا مكان لاجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ. هل انتقدت خطوة لجهة ما؟ أحسنت، أنت “بطل قومي”. هل وافقتهم الرأي في جزئية تقنية أو تفصيل إداري بحت؟ ويلك وعظاّم رقبتك! لقد بعت القضية، وقبضت الثمن، وربما وُضعت صورتك على الغلاف الخلفي لتقارير الاستخبارات الكونية!

إنها معارضة تحولت بقدرة قادر من الرغبة في إسقاط الاستبداد القائم، إلى ممارسة “استبداد بديل” أشد ضراوة؛ استبداد لا يكتفي بمخالفتك الرأي، بل يصر على سحب هويتك الوطنية، وتجريدك من إنسانيتك، وإحراق تاريخك لمجرد أنك لم تصفق لتهريجه السياسي اليومي.

معارضون بملابس “المفتي الأعظم”

الشيء المضحك والمبكي حقاً، هو تقمص هؤلاء المعارضين لدور “حارس البوابة الطاهرة للوطن”. تجده جالسًا وراء شاشة هاتفه، ممدداً على أريكته الوثيرة، ويحتسي قهوته بهدوء، بينما يوزع “صكوك الوطنية” يميناً ويساراً كأنه البابا في الفاتيكان أو المفتي الأعظم للثورة! هذا يخون لأنه كتب مقالاً، وذاك يتهم بالعمالة لأنه ابتسم في صورة جماعية، وثالثهم يُجلد في ساحات الشرف الافتراضية لأنه طالب بالروية والعقلانية بدلاً من الصراخ العشوائي.

لقد نسوا أن المعارضة الحقيقية هي مشروع بناء وفكر ونقد بّناء، وليست “زاراً” سياسياً تصرخ فيه لتطرد الجن والملائكة وتستفرد بالبطولة الوهمية وحدك.

خاتمة: ارحمونا من “حماة الحمى”!

في الختام، عزيزي المواطن، إن رأیت معارضاً يصرخ في وجهك ويهددك بالتخوين لمجرد أنك خالفته في تحليل عابر، فاطمئن؛ أنت لست عميلاً ولا خائناً، بل صادفتَ شخصاً أصابه “إسهال ثوري” مزمن، وفقد بوصلة السياسة فاستبدل العقل بلغة الصياح. اتركْه يصرخ وحيداً في محكمته الوهمية، وتابع طريقك بسلام.. فالوطن الحقيقي يتسع لاختلافنا، لكنه يضيق ذرعاً بمحاكم التفتيش الصغيرة!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك