اغتراب في قلب العصر
غتراب في قلب العصر
رشيد مصباح (فوزي)
كيف يشعر الإنسان وهو يعيش في مجتمع يستهلك منجزات الحضارة، من دون أن يشارك بما يكفي في صنعها؟ مجتمع تصله أحدث الوسائل والتقنيات، لكنه يظل على هامش الزمن الذي أنتجها؟
إنه سؤال عن نوع آخر من الاغتراب؛ لا علاقة له بالهجرة أو الابتعاد عن الوطن، بل بذلك الشعور الغريب الذي قد ينتاب المرء وهو يعيش بين أهله، ويتحدث لغتهم، ويتقاسم معهم تفاصيل حياتهم، لكنه يشعر بأنه ينتمي إلى عالم آخر، أو على الأقل إلى زمن آخر.
تزداد حدة هذا الشعور حين تضيق الحياة اليومية بالناس، وتتحول المؤسسات التي يُفترض أن تخدمهم وتفتح أمامهم آفاق المستقبل إلى هياكل تؤدي الحد الأدنى من واجباتها، فيما تتراجع طموحات الفرد إلى مجرد تدبير شؤون يومه، والبحث عن وسائل البقاء.
في سبعينيات القرن الماضي، كانت قريتنا الصغيرة تعرف، رغم بساطة الحياة، انتعاشًا ثقافيًا واجتماعيًا نفتقد كثيرًا من مظاهره اليوم. كانت هناك أنشطة وتظاهرات ثقافية واحتفالات تجمع الناس وتمنح الحياة شيئًا من الحيوية. أما اليوم، فقد اختفى معظم ذلك، وكأن القرية، التي أصبحت تُسمّى مدينة، كبرت في عدد سكانها وعمرانها، لكنها لم تكبر بالقدر نفسه في حياتها الثقافية والاجتماعية.
ازداد السكان، وتفاقمت البطالة، وارتفعت الأسعار، واشتد الازدحام والضجيج. أما الأنشطة التي كانت تمنح الحياة معنى يتجاوز ضروراتها اليومية، فقد تراجعت أو اختفت.
كبر المكان، وضاقت الحياة.
كنتُ قد تناولتُ في مقال سابق الاغتراب بمعناه الاقتصادي، وهو المفهوم الذي استعمله مفكرون شيوعيون في نقد الأنظمة الرأسمالية، حين يصبح الإنسان غريبًا عن ثمرة عمله، عاجزًا عن الاستمتاع بما ينتجه بسبب الفجوة بين دخله وتكلفة الحياة.
لكنني أفكر هذه المرة في اغتراب يتجاوز الاقتصاد إلى الفكر والنفس والمجتمع: اغتراب الإنسان الذي يعيش في عصر التكنولوجيا الحديثة، ويستخدم منتجاتها، ويتابع إنجازات المجتمعات المتقدمة، لكنه لا يشعر بأنه شريك في إنتاج المعرفة أو صناعة المستقبل.
لقد أصبحت الوسائل الحديثة في متناول أيدينا، وبعضها متاح بأثمان معقولة، ومع ذلك لا نحسن دائمًا توظيفها في تطوير حياتنا وإنتاجنا. نمتلك أدوات العصر، لكن امتلاك الأداة لا يعني امتلاك القدرة على الابتكار بها، ولا يعني أننا أصبحنا جزءًا من الحضارة التي صنعتها.
وهنا يكمن الفرق بين مجتمع ينتج ويبتكر، ومجتمع يكتفي بالاستهلاك والاستيراد. الأول يشارك في رسم المستقبل، والثاني ينتظر وصوله في صورة سلعة جديدة.
ولا يمكن فصل هذه المفارقة عن طبيعة الأنظمة التي لا تتيح حرية الإبداع والمبادرة، ولا توفّر البيئة التي تسمح للأفكار بأن تتحول إلى مشاريع وإنجازات. فنحن نتحدث منذ فجر الاستقلال عن دولة المؤسسات، وعن دولة لا تزول بزوال الرجال، لكن بناء المؤسسات لا يُقاس بمجرد بقائها، بل بما تتيحه للإنسان من فرص للتعلم والإبداع والإنتاج والتغيير.
ولعل الأكثر غرابة أن الفرد، رغم شعوره بهذه الفجوة، لا يتحول بالضرورة إلى قوة تطالب بتغييرها. فقد يتكيف مع الواقع حتى يألفه، ويصبح ما كان يرفضه بالأمس جزءًا من حياته المعتادة. لا يعود يسأل عما يمكن أن تكون عليه حياته، بل عما ينبغي عليه فعله كي تستمر كما هي.
تحضرني هنا أغنية بيار باشلي ”Marionnettiste“ لـ(Pierre Bachelet) ، التي يحبها صديقي ”الفيلسوف العجوز“ على نحو لافت. وأجد في صورتها ما يذكّرني بحياة كثيرين منا: ننهض للعمل، ونجمع المال، ثم نبحث عن الزواج والسكن والاستقرار، وننجب الأطفال، ونقتطع بعض الوقت للجلوس في المقاهي وتبادل الأحاديث، قبل أن نعود إلى بيوتنا لننام، ثم نكرر الدورة نفسها في اليوم التالي.
لا عيب في العمل أو الزواج أو بناء الأسرة؛ فهي من صميم الحياة. لكن المشكلة تبدأ حين تختزل الحياة كلها في هذه الضرورات، فلا يبقى للإنسان وقت أو طاقة أو أفق يتجاوزها، وكأن دوره ينحصر في تكرار ما فعله من سبقوه، من دون أن يضيف شيئًا إلى العالم الذي سيتركه لمن يأتون بعده.
ثم نتساءل عن سر هذا الضيق الذي نشعر به، وعن ذلك الفراغ الذي لا تملؤه زيادة الاستهلاك ولا تكديس الأشياء.
اختزل صديقي الفيلسوف العجوز هذه الحالة في كلمة واحدة: «الفصام». لم يكن يقصد تشخيصًا طبيًا، بقدر ما كان يشير إلى تناقض نعيشه بين ما نراه ممكنًا في العالم، وما نرضى به في واقعنا؛ بين طموحات الإنسان وقدرات العصر من جهة، وحدود الحياة التي يجد نفسه محاصرًا فيها من جهة أخرى.
نحن نعيش في عصر تتسارع فيه الاكتشافات وتتغير فيه أنماط الحياة، لكننا لا نشارك بالقدر الكافي في صناعة هذا التغيير. تصلنا منتجات الحضارة، فنستخدمها، ثم ننتظر غيرها. نتحدث عن المستقبل، بينما تظل حياتنا اليومية أسيرة مشكلات تتكرر، وأولويات لا تتغير، وأحلام يتقلص سقفها كلما طال انتظارنا.
فهل اغترابنا الحقيقي هو أننا نعيش على هامش الحضارة، أم أننا بدأنا نتعايش مع هذا الهامش حتى لم نعد نشعر بضرورة مغادرته؟

إرسال التعليق