حين توقف الزمن صباحاً: قراءة استراتيجية في زلزال السابع من أكتوبر بعد ثلاثة أعوام
حسنين خلوف (خبير استراتيجي – برلين)
قبل ثلاثة أعوام، وتحديداً في مثل هذا الصباح، كان المشهد يبدو نمطياً ومألوفاً تماماً؛ صلاة الفجر ثم النوم، وعودة إلى صفحات التاريخ القديم وتحديداً تفاصيل الدولة العثمانية، بعيداً عن صخب السياسة ويوميّات الصراع المعاصر. كنتُ وقتها شبه مقاطعٍ تماماً لكل مصادر الأخبار والنشرات، منذرةً بذلك الانتكاسة المريرة التي تعرضت لها الثورة السورية قبل سنوات خلت، ولم يكن على الهاتف المحمول تطبيق تليغرام أو أي نافذة إخبارية.
لكن شيئاً ما في ذلك الصباح كان يختبئ تحت سكون الشارع. في طريق العمل، تكررت على سمعي أسماء ومصطلحات لم ألقِ لها بالاً في البداية لغياب فنجان القهوة الصباحي، وفي وسائل المواصلات كانت الأحاديث تتناثر حول حدث جلل، لكن الذهن كان ما زال في عالم التاريخ والماضي. وحين نزلت وعدت في الشارع، مررتُ مصادفاً بمقهى، فوقفت مفاجئاً، ثم تراجعت لأتأكد ممّا تراه العين: نبأ عاجل يغطي نصف الشاشة، ومشاهد بصرية غير مسبوقة بحجمها ودراماتيكيتها.
لم يكن الاستيعاب الفوري ممكناً لحجم التحول، إلى أن بدأت أعداد القتلى والخسائر في الجانبين تتصاعد على العدادات أمام ناظري، فحينها فقط أدركت أن العالم يغادر صفحة التاريخ القديم ليصطدم بزلزال استراتيجي سيغير وجه المنطقة للأبد. وصلت مقر العمل، ففتحت شاشة “الجزيرة” والهاتف، لأنخرط في متابعة ملحمة غيرت مجرى التاريخ الحديث: طوفان الأقصى.
أعوام الصمود الأسطوري: حين ينكس الإعلام حداداً
حين نُخضع تلك الأيام والسنوات التي أعقبت الانطلاقة لـمجهر التحليل الاستراتيجي، ندرك أننا أمام ملحمة من الصمود العسكري والبطولي نادراً ما تتكرر في تاريخ الصراعات المعاصرة. وإذا أردت أن تقيس مدى عمق التأثير وحجم الصدمة التي تلقتها المنظومة الاستراتيجية للعدو، فلا داعي للبحث البعيد؛ يكفي أن تنظر إليهم وهم يُنكسون أعلامهم ويعلنون الحداد الرسمي، لتدرك هول الهزيمة في الوعي وفي البنيان العسكري.
لقد كان قرار السابع من أكتوبر قراراً زلزالياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ قراراً اختصر على الأمة عقوداً طويلة من التخبط، وأعاد ترتيب أولويات المنطقة برمتها خارج أطر الترتيبات المصطنعة.
سقوط الأقنعة وانكشاف “العالم الكذاب”
على الصعيد الفكري والوعي الجمعي، لم تكن المعركة عسكرية فحسب، بل كانت معركة كاشفة وفاضحة. كم من الأعين أُزيلت من على أعينها غشاوة الانخداع المطلق بالرواية الغربية وبمؤسسات ما يسمى بـ “النظام العالمي”؟ وكم من الملايين أدركت فجأة أنها تعيش في عالم كذاب، ترتفع فيه شعارات الإنسانية والديمقراطية زوراً، وتتساقط الأقنعة عند أول اختبار حقيقي للعدالة وحقوق الإنسان؟
في أتون هذا المخاض العسير، استعادت الأمة معاني جليلة كادت تندثر في زحمة الاستهلاك والتطبيع والانكفاء؛ ففهمنا مجدداً معنى “العدو الحقيقي” ومعنى “المنافق المتستر”، وتجلّت أمامنا أبهى صور “التضحية، الفداء، والصمود الأسطوري” التي يعجز التاريخ الحديث عن الإتيان بمثيلها.
إن من اتخذ ذلك القرار الصعب في ذلك الصباح المبكر، لم يطلق شرارة مواجهة عسكرية فحسب، بل وضع الملايين من أبناء الأمة مجدداً على “الطريق الصحيح”، معيداً بوصلة القِبلة نحو حقائق الصراع الكبرى التي لا تتبدل مهما طال الزمن.


إرسال التعليق