حرب الصحافة والقصور الوهمية: لماذا يواجه مبابي حملة اغتيال معنوي في مدريد؟
نصري سعيد
حين تنتقل إلى نادي ريال مدريد، فإنك لا توقّع عقداً رياضياً عادياً فحسب، بل تدخل إلى مصنع ضخم لصناعة الأساطير.. وفي ذات الوقت، إلى محكمة تفتيش إعلامية لا تقبل القسمة على اثنين. الكيان الملكي ليس مجرد نادٍ، بل هو إمبراطورية إعلامية جبارة تتحكم بوجدان الملايين، وحين ترتدي قميصه، تصبح تحت مجهر لا يرحم.
لكن ما نتابعه اليوم من تصعيد إعلامي مدريدي ضد كيليان مبابي بلغ درجات غير مسبوقة وغير مبررة رياضياً؛ لدرجة أننا بدأنا نشاهد تقارير وشائعات غريبة تتحدث بصراحة عن احتمال رحيله في الصيف المقبل! فما الذي يحدث خلف كواليس العاصمة الإسبانية؟ وكيف تحول اللاعب الذي انتظرته مدريد كالمنقذ إلى مادة دسمة لليالي التشكيك والاغتيال المعنوي؟
أولاً: سيكولوجية الإعلام المدريدي.. المحب الحارق والعدو القاسي
الصحافة المقربة من ريال مدريد (سواء في صحف مثل ماركا وآس أو البرامج التلفزيونية الشهيرة مثل شرينغيتو) تحكمها قاعدة واحدة لا تبدل: “إما أن تكون الألهة المطلقة، أو الخائن الذي لا يستحق حتى البقاء”.
- طوال سنوات، كان الحديث عن مبابي في مدريد يأخذ طابع “الملحمة المرتقبة”. وحين حضر أخيراً، وُضعت على كاهله توقعات خيالية لا يمكن لأي بشر تحقيقها فوراً؛ إذ انتظر الجمهور والإعلام أن يسجل هاتريك في كل مباراة، وأن يحل كل أزمات الفريق التكتيكية بجرة قلم.
- وحين يمر اللاعب بفترة فراغ طبيعية، أو يعاني من انسجام تكتيكي في منظومة مدرب تتغير أدوارها، يتحول الحب الجارف فوراً إلى هجوم ضارٍ. الإعلام المدريدي لا يعترف بمفهوم “فترة التكيف”؛ فهو إعلام يبحث دائماً عن كبش فداء لتبرير أي تعثر محتمل للفريق.
ثانياً: اقتصاد الشائعات.. لماذا تخرج أخبار “الرحيل الصيفي”؟
الحديث عن رحيل مبابي الصيف القادم ليس سوى “بالون اختبار” ووسيلة ضغط نفسية واقتصادية متقدمة:
- صناعة الدراما لجذب الجمهور: في عصر المنصات الرقمية وتجارة المشاهدات، لا شيء يبيع مثل “الصراع والدراما”. خبر يقول إن مبابي سعيد ويؤدي تدريباته بهدوء لا يقرؤه أحد، بينما خبر بعنوان “مفاجأة مدوية: مبابي يدرس الرحيل عن ريال مدريد!” يكفيلحصد ملايين التفاعلات والزيارات في دقائق معدودة.
- إرسال رسائل غير مباشرة: هذه التقارير غالباً ما تُكتب بأوامر خفية أو إيحاءات من محيط النادي؛ لتذكير اللاعب بأن سقف الصبر في مدريد منخفض، وأنه مهما كانت نجوميته، فإن “قميص الملكي” أكبر من أي اسم. إنها وسيلة لكي يضاعف اللاعب جهده، ويخضع تماماً لإيقاع المنظومة الإعلامية والجماهيرية.
ثالثاً: الأزمة ليست في مبابي، بل في وهم “المخلص الفردي”
المشكلة الحقيقية لا تكمن في أقدام كيليان مبابي أو رغبته، بل في الأيديولوجية الكروية السائدة في مدريد: الاعتقاد بأن جلب نجم خارق يكفي وحده لمحو أي خلل هيكلي أو تكتيكي في الفريق.
- حين يتعثر ريال مدريد جماعياً، يتجنب المحللون نقد المنظومة أو الخيارات التكتيكية للمدرب، ويوجهون كل سهام النقد مباشرة نحو النجم الأبرز، باعتباره الهدف الأسهل والأكثر جذباً للعناوين.
- مبابي يدفع ثمن ضخامة الصفقة وضخامة الهالة الإعلامية التي سبقت قدومه. الإعلام يريد منه أن يكون الهداف، والمدافع، وصانع اللعب، ورئيس النادي في آنٍ واحد!
إن الحديث عن رحيل مبابي في الصيف المقبل هو مجرد “هستيريا إعلامية” مؤقتة تترجم تخبط الصحافة الإسبانية حين لا تسير الأمور وفق السيناريو الهوليوودي المرسوم. كيليان لمن يعرف كرة القدم جيداً، مستمر وثابت، وتلك العواصف المصطنعة لم تكن يوماً سوى ضريبة ضخمة تدفعها كل الأسماء الكبرى التي مشت على عشب البيرنابيو. دعوا الإعلام يصنع قصصه الوهمية، فالملاعب وحدها هي التي تكتب الحقيقة!


إرسال التعليق