هدم العقلانيّة الرسمية وبلاغة الهامش
عباس عز الدين
حين نقرأ عمداً ضد التيار، وحين نرفض أن ننظر إلى الأدب باعتباره مجرد بضاعة استهلاكية تُرخى لتسلية العقول المنهكة، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام نصوص نادرة ومقلقة، نصوص تأبى أن تمنحنا طمأنينة القراءة التقليدية. ومن أبرز هذه النصوص التي تستفز البنية الفكرية وتفكك أقفال الوعي الراكد، يبرز النص الروائي العميق “محا المعتوه”.
هذه الرواية ليست مجرد حكاية تحكي تفاصيل عابرين في مدينة منسية، وليست مجرد استعراض فني لجنون فردي؛ بل هي “محاكمة كبرى عابرة للمؤسسات”، تُرفع فيها أوراق الاتهام بوجه العقل الرسمي، والنظام الاجتماعي الصارم، وكل تلك الهياكل البيروقراطية التي تُعنى بهندسة البشر لا بتحريرهم. في هذا المقال النقدي الموسّع، أود أن أغوص في أعماق هذا النص المأزوم، لأفكك بنيته الدلالية، وأكشف كيف يتحول “المعتوه” من كائن مهمش ومقصى إلى شفرة فلسفية جارحة تفضح عورات العالم “العاقل”.
أولاً: انقلاب المفاهيم.. من هو المعتوه الحقيقي؟
الركيزة الفلسفية الأولى التي تقوم عليها رواية “محا المعتوه” هي ذلك الانقلاب الجذري في مفهوم العقل والجنون.
- سلطة الوهم العقلاني: في العالم الذي ترسمه الرواية، لا يمثل “العقلاء” (المتمثلون في رجالات الإدارة، ووعاظ المؤسسات، وسدنة القانون) سوى جماعة من الآلات المتكلسة التي تدور في حلقة مفرغة من النفاق، والامتثال الأعمى، والخوف المقدّس من السلطة. عقلهم ليس سوى أداة تبريرية لتمرير القهر والعبودية اليومية.
- طهارة البلاهة المقاومة: في المقابل، يبرز “المعتوه” بوصفه الشاهد الوحيد العاري من لوثة المصالح وحسابات المكسب والخسارة. إنه لا يحمل مشروعاً سياسياً، ولا يطمح إلى منصب أو جاه؛ ولذلك فهو يمتلك “امتياز الصدق المطلق”. حين ينطق، فإن كلماته لا تمر عبر فلتر الرقابة الذاتية أو الخوف؛ بل هي طعنات مباشرة في جسد الحقيقة الرسمية المهترئة. الرواية تعيد طرح السؤال الأبدي بصيغة أكثر دموية: أيهما أجدر بالحجر والعزل: من يرفض جنون هذا العالم ويصرخ بوجهه ولو بدا مجنوناً، أم أولئك الذين يرتكبون أبشع الجرائم باسم العقل والنظام العام؟
ثانياً: بلاغة الهامش في مواجهة طغيان المركز
تتأتى قوة “محا المعتوه” الأسلوبية والفكرية من انحيازها المطلق لـ “جغرافيا الهامش”. فالمركز –بكل سلطاته، وقصوره، ومقاهيه الفاخرة، وخطاباته الطنانة– يبدو في الرواية شاحباً، ومزيفاً، ومأزوماً. أما الهامش، حيث يعيش المهمشون والمحطمون والممسوخون بفعل قسوة التاريخ والواقع، فهو النابض بالحياة والصدق الحارق.
- لغة المقهورين: لا يعتمد السرد على لغة أكاديمية متباعدة، بل يستنطق لغة الشارع، والرموز الشعبية، والهذيان الصادق الذي يحمل في طياته رؤى كشفية عميقة. الحكايات التي يرويها المعتوه أو تدور في فلكه ليست سوى شظايا من ذاكرة مجتمع كامل جرى تجريفه وتدجينه.
- السخرية السوداء كأداة هدم: تستخدم الرواية السخرية السوداء كسلاح نقدي لا يُعلو عليه. إنها تضحك من الألم، لا استهزاءً بالضحية، بل لتعري الجاني وتكشف سخافة الهياكل التي يستند إليها. هذا التلاحم بين المأساة والمهزلة هو ما يمنح النص ذلك العمق الوجودي الذي يترك القارئ في حالة من اليقظة المؤلمة.
ثالثاً: أزمة المثقف والسلطة.. صمت الحكماء وصراخ البلهاء
في عمق البنية الدلالية للرواية، تختفي الحدود الفاصلة بين “الحكيم الرسمي” (المثقف أو العالِم الذي باع قلمه للسلطة أو آثر السلامة والحياد البارد) وبين “الجاهل الطائع”.
- حين يصمت المثقف عن قول الحقيقة خوفاً على امتيازاته، أو حين يلبس الحق باطلاً لتزيين وجه الاستبداد، فإنه يتخلى عن دور الحكيم الحقيقي ليصبح مجرد موظف في ديوان الطغيان.
- هنا تأتي مفارقة الرواية الكبرى: عندما يخرس الحكماء، لا بد أن ينطق المجانين والبلهاء! المعتوه هو البديل الراديكالي للمثقف المهزوم؛ إنه الشخص الذي يقول ما لا يجرؤ “العقلاء” على همسه في غرفهم المغلقة. إن الرواية تدين بضراوة ذلك الصمت المتواطئ الذي تمارسه النخبة المثقفة في مواجهة الاستبداد والقبح الممنهج.
“محا المعتوه” ليس نصاً أدبياً يُقرأ للاستجمام العابر، بل هو “بيان نقدي فلسفي” يسائل طمأنينة القارئ ويضع أصابعه على جروح الوعي العربي والإنساني المعاصر. إنه يدعونا بلا مساحيق لرفض ذلك العقل الإداري الاستبدادي الذي يريد منا أن نكون نسخاً مطابقة لبعضنا البعض، بلا أسئلة، وبلا صرخات تمرد.
إن هذا العمل يذكرنا دائماً بأن الإنسان لا يزال يحتفظ بشرارة حريته طالما أنه يمتلك القدرة على رفض السائد، والتمرد على منطق القطيع، وحتى لو تطلب الأمر أن يرتدي مسحوق “المعتوه” ليقول للعالم العاقل: إنكم جميعاً تمشون في جنازة عقولكم ونحن وحدنا من نبكي عليكم!



إرسال التعليق