المسرح ذاكرة الشعوب وصوت الإنسان..
يُحيي العالم في السابع والعشرين من مارس من كل عام اليوم العالمي للمسرح، وهي مناسبة ثقافية تتجاوز طابع الاحتفال لتفتح أفق التأمل في مكانة هذا الفن العريق ودوره في تشكيل الوعي الإنساني وصون الذاكرة الجماعية.
يُعدّ المسرح من أقدم أشكال التعبير الفني ولم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه بل كان فضاءً للحوار ومنبرًا لطرح القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية،فمن خلاله استطاع الإنسان أن يُعيد مساءلة ذاته وأن يُجسّد انشغالاته العميقة في علاقة حية ومباشرة مع الجمهور.
لقد ظلّ المسرح مرآةً تعكس تحولات المجتمعات، لكنه في الآن ذاته كان أداةً فاعلة في نقد الواقع وإعادة تشكيله جماليًا وفكريًا، فهو الفن الذي يمنح الكلمة جسدًا، ويحوّل النص إلى تجربة إنسانية تُعاش فوق الركح بكل أبعادها الحسية والرمزية.
وفي السياق الجزائري، يحتلّ المسرح مكانة خاصة إذ ارتبط منذ نشأته بقضايا الهوية والحرية كالشهيد العربي بن مهيدي حيث كان صوتًا للمقاومة الثقافية والفكرية وقد برزت أسماء صنعت مجد المسرح الجزائري وأسهمت في ترسيخ حضوره عربيًا ودوليًا على غرار عبد القادر علولة الذي شكّل علامة فارقة في المسرح الجزائري من خلال أعماله التي لامست الواقع الشعبي بعمق وجرأة، وعز الدين مجوبي الذي كان رمزًا للفنان الملتزم بقضايا مجتمعه، إضافة إلى صيراط بومدين وغيرهم من الروّاد الذين أسهموا في بناء صرح مسرحي متجذر في الهوية ومفتوح على التجارب الإنسانية مثل كاتب ياسين.
لقد حمل هؤلاء الفنانون همّ الإنسان الجزائري ونقلوا عبر الخشبة نبض الشارع وتفاصيل الحياة اليومية و كذا تحولات المجتمع الجزائري ،فكان المسرح لديهم فعل وعيٍ ومسؤولية وليس مجرد عرض فنّي عابر.
ولا يمكن الحديث عن المسرح الجزائري دون التوقف عند مدينة تلمسان، هذه الحاضرة التاريخية التي لم تكن فقط مركزًا للحضارة والعلم بل كانت أيضًا فضاءً حيًا للإبداع الفني، فقد احتضنت تلمسان عبر تاريخها العديد من المبادرات الثقافية والعروض المسرحية التي ساهمت في تنشيط الحركة الفنية بدار الثقافة عبد القادر علولة بورشة المسرح التي يشرف عليها الفنان المبدع عبد القادر مصطفاوي، كما شكّلت مدارسها وجمعياتها الثقافية كجمعية مربع فنون الركح مشتلاً للمواهب الشابة مثل المتألق عبد الاله جدة أصغر مدير فنّي مسرحي على المستوى الوطني .
فتلمسان وجدت في المسرح وسيلة لصقل قدراتها والتعبير عن رؤاها بفضل الأب الروحي للمسرح الأستاذ الكاتب الدرامي المسرحي والمخرج علي عبدون.
ثمّ إنّ الحراك المسرحي في تلمسان رغم التحديات، ما يزال ينبض بالحياة مستندًا إلى إرث ثقافي عريق وإلى طاقات إبداعية تسعى إلى الحفاظ على هذا الفن وتطويره، بما يواكب التحولات المعاصرة دون أن يفقد روحه الأصيلة.
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، يواجه المسرح تحديات جديدة تفرض إعادة التفكير في آلياته وأساليبه دون التفريط في جوهره القائم على الحضور الحي والتفاعل المباشر. ورغم هذه التحديات، يظل المسرح فنًا قادرًا على الاستمرار لما يمتلكه من قدرة على التأثير العميق في المتلقي.
من هنا تبرز أهمية دعم الفعل المسرحي من خلال تشجيع الإنتاج واحتضان المواهب الشابة وتوفير فضاءات العرض بما يضمن استمرارية هذا الفن ودوره في بناء الوعي المجتمعي.
إنّ اليوم العالمي للمسرح ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو دعوة متجددة لإعادة الاعتبار لهذا الفن وترسيخ مكانته كأداة للتفكير والنقد وبناء الإنسان.
( نوميديا جروفي)



إرسال التعليق