جاسوس مات في السجن

النهاية كانت متوقعة موت الجاسوس في السجن بعد سنوات من الاعتقال ، في قصة تاجر الأسرار السرية ، البداية كانت في عام 1967،وفي خضم الحرب الباردة، كانت الغواصات النووية الأمريكية هي “الحصن المنيع” الذي يحمي العالم الغربي.
كانت تتحرك في أعماق المحيطات بصمت كلي، مستحيلة التتبع، تضمن الردع النووي للولايات المتحدة.
لكن…!!
في يوماً ما قرر رجل واحد أن يفتح “أبواب الجحيم” ويبيع مفاتيح هذا الحصن الغواص لعدو بلاده اللدود.. مقابل حفنة من الدولارات.
جون ووكر، ضابط الاتصالات في البحرية الأمريكية، لم يكن يحلم بتغيير العالم أو نصرة الشيوعية، بل كان يحلم بحياة الرفاهية والهروب من ديونه المتراكمة.
بدأت القصة عندما سار ووكر ببساطة إلى السفارة السوفيتية في واشنطن، حاملاً معه “مفاتيح التشفير” الخاصة بالبحرية الأمريكية.
نعم، الأمر يبدو كأنه مشهد من فيلم سينمائي رخيص، لكن الحقيقة كانت أكثر غرابة وبساطة؛ ففي ليلة ممطرة من شهر أكتوبر عام 1967، ركن جون ووكر سيارته بالقرب من السفارة السوفيتية في واشنطن، وترجل بهدوء، ثم دخل من الباب الأمامي حاملاً حقيبة تحتوي على “أثمن أسرار البحرية الأمريكية”.
لم يكن ووكر مؤمناً بالشيوعية،ولا يفكر في عواقب خيانته قط، ولم يكن يحمل ضغينة سياسية ضد واشنطن.
ولكن كان دافعه “الجشع المحض”.
كان ووكر يمتلك حانة فاشلة في ولاية كارولاينا الجنوبية، وكانت ديونه تتراكم بشكل مرعب.
وفوق هذا كله كان يعشق النساء، الطائرات الخاصة، والسيارات الفاخرة، وهي حياة لم يكن راتبه كضابط اتصالات في البحرية قادراً على تغطيتها.
وكان الحل أمامه ،عندما رأى في أسرار التشفير التي يمررها يومياً “سلعة” يمكن أن تدر عليه الملايين، فقرر أن “يتاجر” بما يأتمنه عليه وطنه.
دخل ووكر السفارة السوفيتية ببساطة لأن المراقبة الأمنية في ذلك الوقت لم تكن كما نتخيلها اليوم بالذكاء الاصطناعي والكاميرات الحرارية، كان ووكر يرتدي ملابسه المدنية، ودخل بجرأة “الواثق”.
و طلب مقابلة الملحق العسكري، وعندما جلس معه، أخرج قائمة بـ “مفاتيح التشفير” للغواصات النووية.
وهنا كانت الصدمة للسوفييت…
ضباط الـ KGB داخل السفارة أصيبوا بالذهول؛ و ظنوا في البداية أنه “فخ” من المخابرات الأمريكية (CIA) لاختبارهم.
لم يتخيلوا أن ضابطاً أمريكياً سيأتي بنفسه ليبيع أسراراً بهذه الخطورة مقابل ألف دولار أسبوعياً (كدفعة أولى).
في الستينيات، كانت الـ FBI تراقب السفارات، لكن ووكر استغل وقت “تغيير الورديات” التي كان يعرفها تماماً ،واستغل لحظات الزحام للدخول والخروج دون أن تُلتقط له صورة واضحة تربطه بالبحرية.
وبعد أن ساومهم على الثمن،وبعد أن تمكنوا من التثبت مما يقول ،وافقت المخابرات السوفيتية (KGB)على هذا التعاون،و فتحت له أبوابها، مدركةً أنها وضعت يدها على “منجم ذهب” استخباراتي لا يقدر بثمن.
لمدة 18 عاماً، كان السوفييت يقرؤون كل رسالة مشفرة ترسلها البحرية الأمريكية لغواصاتها وسفنها في المحيطات.
كانوا يعرفون أماكن تحرك الغواصات “الصامتة”، وخطط الحرب السرية، وتكنولوجيا التشفير التي أنفقت أمريكا مليارات الدولارات لتطويرها.
ووكر تصاعد معه الأمر أكثر فأكثر،و لم يكتفي بأن يصبح جاسوساً منفرداً، بل أسس “شركة عائلية للتجسس”؛ جند شقيقه وابنه وحتى صديقه المقرب، محولاً الخيانة إلى تجارة مربحة تدر عليه آلاف الدولارات التي كان ينفقها على الطائرات الخاصة واليخوت والنساء، بينما كان زملاؤه في البحرية يعتقدون أنه مجرد ضابط مجتهد.
وفي عام 1985 كان عام نهاية الجاسوس التاجر،وعلى يد من ؟
امرأة ،وقد كان سقوط ووكر درامياً بقدر حياته ومسيرته في عالم الجاسوسية.
لم تسقطه المخابرات الأمريكية بذكائها، بل أسقطته هذه المرأة الغاضبة.
نعم…زوجته السابقة، فبعد سنوات من المعاناة مع إدمانه و خياناته و أكاذيبه المتكررة،فاض بها الكيل و اتصلت بمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)وكشفت المستور.كانت تريد الانتقام منه وبشدة .
وبالفعل فعلت هذا ،و بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي البحث أكثر وراء هذا الرجل ..وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها الجميع …!!
في ليلة سقوط “تاجر الأسرار”، عثر المحققون على حقيبة تحتوي على 129 وثيقة سرية كانت معدة للتسليم.
وصف مدير المخابرات المركزية (CIA) آنذاك خيانة ووكر بأنها “الأكثر تدميراً في تاريخ البحرية الأمريكية”، حيث منحت السوفييت تفوقاً استراتيجياً كان من الممكن أن يغير نتيجة أي حرب قادمة بين البلدين.
مات ووكر في سجنه عام 2014، تاركاً خلفه درساً قاسياً: أن أخطر الجواسيس ليس بالضرورة من يملك قضية، بل من لا يملك ضميراً ويرى في أسرار وطنه مجرد “بضاعة” لمن يدفع أكثر.
ولكن، إذا كانت أمريكا قد صُعقت بخيانة “ووكر” من أجل المال ،هل تعلم أن هناك جاسوساً آخر خدع العالم كله بـ “خرائط وهمية”؟
رجل استطاع أن يقنع هتلر بأن غزو الحلفاء لأوروبا سيكون في مكان “خاطئ” تماماً، مستخدماً جيشاً من الدبابات “المنفوخة بالهواء” وجواسيس لا وجود لهم إلا في خياله!

إرسال التعليق