مختار..حين تتحوّل الشخصية الدرامية إلى مرآة..

في مسلسل فاطمة، تبرز شخصية مختار بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للغضب والجدل لدى المشاهد الجزائري.،فهذه الشخصية لم تُكتب لتكون مُجرّد عنصر ثانوي في مسار الأحداث، بل جاءت ككتلة درامية ثقيلة تحمل داخلها تناقضات الإنسان حين يسقط في مستنقع الطمع والجشع وفقدان الضمير.
منذ ظهوره الأول، يتشكّل مختار أمامنا كرجل تحكمه المصلحة أكثر ممّا تحكمه القيم، فهو لا يرى في الزواج رباطًا إنسانيًا، بل وسيلة للربح، لذلك يتزوج مريم طمعًا في دكان والدها وكأن العلاقة الزوجية في نظره مجرد صفقة اقتصادية، غير أن هذا الطمع لا يتوقف عند حدود الطموح المادي، بل يتحول إلى نزعة استهلاكية مُدمّرة حين يستولي على ذهب زوجته ويخسره في لعبة القمار.
القمار في حياة مختار ليس مجرّد عادة سيئة، بل هو تجسيد لانهيار أخلاقي كامل، فمع كل خسارة، يتراجع إحساسه بالمسؤولية، ويزداد تورطه في الديون، حتى يُصبح مدينًا لعدد من سكان القصبة الذين وثقوا به وأعطوه أموالهم،وهنا تتحول الشخصية من رجل طماع إلى رجل يُهدّد الاستقرار الاجتماعي لمن حوله، بعدما خان ثقة المجتمع الذي يعيش فيه.
ويصل هذا الانحدار ذروته حين تضبطه لالة خداوج وهو يحاول سرقة ما تبقى لديها من ذهب تُخفيه في عرفتها الشخصية و الخاصة في البيت.
في تلك اللحظة ينكشف مختار تمامًا أمام المجتمع فيتحول إلى مطارد من سكان القصبة الذين يطالبون باسترجاع أموالهم. وهكذا يجد نفسه محاصرًا بغضب الناس واحتقارهم فيختار الهروب إلى الريف عند عمه، هربًا من ماضيه ومن فضيحته.
لكن حتى في هذا الهروب يستمر سقوطه الإنساني ،إذ يسمع هناك بخبر وفاة والده ومع ذلك لا يعود لحضور جنازته في مشهد يختصر حجم القطيعة التي صنعها مختار بيديه مع عائلته وقيمه وجذوره.
غير أن المسلسل يمنح هذه الشخصية مسارًا دراميًا مختلفًا في نهايته. ففي الريف، حيث الحياة أبسط وأكثر قربًا من الأرض، يبدأ مختار مواجهة ذاته فيتحول من مقامر يبدد المال إلى رجل يعمل بيديه في أرض أبيه، ويعيش حياة مختلفة بعيدًا عن عالم الطمع والقمار.
وفي محاولة لفتح صفحة جديدة، يزوجه عمه ابنته، ليبدأ حياة تقوم على العمل والاستقرار داخل العائلة.
ورغم هذا التحول، تبقى شخصية مختار واحدة من أكثر الشخصيات التي استفزت المشاهد الجزائري. فتصرفاته من استغلال الزواج إلى سرقة الذهب والهروب من الديون جعلته نموذجًا للرجل الذي يدمّر نفسه ومن حوله بسبب الجشع والتهور.
لكن المفارقة الدرامية تكمن في أن هذه الشخصية رغم كل ما أثارته من غضب، نجحت فنيًا في أداء دورها داخل العمل لأنها كشفت جانبًا مظلمًا من الطبيعة الإنسانية وذكّرت المُشاهد بأنّ السّقوط الأخلاقي لا يبدأ بخطوة واحدة، بل بسلسلة من الاختيارات الخاطئة التي تتراكم حتّى يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه وعن مجتمعه.
وهكذا يتحول مختار داخل عالم فاطمة إلى أكثر من مُجرد شخصية مكروهة، إنه تحذير درامي من الطمع حين يتحوّل إلى قوة تدمّر الإنسان قبل أن تدمّر من حوله.
ويمكن القول إن مختار يمثل داخل العمل الوجه المظلم للمجتمع؛ ذلك الوجه الذي يكشف كيف يمكن للطمع والضعف الأخلاقي أن يقودا الإنسان إلى السقوط قبل أن تمنحه الحياة فرصة متأخرة للعودة إلى الطريق الصحيح.
وبهذا المعنى، تتحوّل شخصية مختار إلى تحذير درامي من الطمع ومن استغلال العلاقات الإنسانية لأهداف مادية، كما تكشف في الوقت نفسه جانبًا من الصراعات الاجتماعية داخل المجتمع الذي يُصوره المسلسل.

( نوميديا جروفي )

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك