حين يصبح المسجد منبرا للرياء لا منارة للهداية*
- رشيد مصباح (فوزي)
لستُ أدري إن كانت هذه الظاهرة قد تسلّلت إلى مساجد كثيرة، أم أنّها ابتلاء خاصّ بالمسجد الذي أصلّي فيه. لكن ما أعلمه يقينا أنّ ما يحدث فيه في هذه الأيام المباركة يبعث على الأسى. فرمضان، الذي جعله الله موسما لتهذيب النفوس ومراجعة السلوك، تحوّل عند بعض الناس إلى مناسبة للضجيج والظهور، لا إلى فرصة للخلوة مع القرآن.
في الأوقات التي يقصد فيها الصائمون المسجد طلبا للسكينة، ما بين الظهر والعصر، أو قبيل المغرب، حيث يلوذ المرء بالمصحف لعلّه يقتطف لحظة صفاء من صخب الحياة، يرتفع الضجيج فجأة. أصوات تتعالى، وحركات لا تنتهي، وكأنّ المسجد قد انقلب إلى مقهى صاخب، لا إلى بيت من بيوت الله التي أُقيمت للذكر والطمأنينة.
ولو كان مصدر هذا الإزعاج بعض العوام الذين لم يتربّوا على أدب المساجد، لقلنا: الجهل يُعذر صاحبه أحيانا. غير أنّ العجب كل العجب أن تجد بعض المتحمّسين من المتطوّعين يتصيّدون هذه اللحظات بالذات ليعتلوا منابر الوعظ. وكأنّ خشوع الناس وهم مع المصحف يزعجهم، فلا يهدأ لهم بال حتى يقطعوه بخطب مرتجلة، يغلب عليها التكرار واجترار المعاني المستهلكة.
والمفارقة المؤلمة أنّ كثيرا من هذه ”الدروس“ لا تحمل علما ينير ولا فكرة توقظ العقل، بل مجرّد كلام مكرور، يُلقى بنبرة الواثق العالم بكل شيء، بينما الحقيقة أنّه أقرب إلى استعراض أجوف منه إلى تعليم نافع. وهكذا يتحوّل الوعظ الذي يفترض أن يكون بابا للتواضع إلى ساحة يتسلّل إليها الرياء والعُجب.
أما الأئمة، فيبدون في وضع لا يُحسدون عليه؛ فهم بين واجبهم في حفظ هيبة المسجد وصمتِه، وبين تعليمات إدارية و ترخيصات مفروضة من مديريات الشؤون الدينية، تُجيز لبعض الأشخاص إلقاء الدروس ولو على حساب راحة المصلّين. وكثير من العامة لا يدركون هذه الخلفيات، فيظنّون أنّ الأئمة راضون بهذا العبث، بينما هم في الحقيقة مقيّدون أكثر مما يُظن.
والنتيجة أنّ المسجد يفقد شيئا فشيئا أهمّ ما يميّزه: السكينة. في حين يواصل بعض الوعّاظ المتحمّسين إلقاء خطب جوفاء، كلامهم كالثوب البالي الذي فقد لونه منذ زمن، لا يدفئ عقلًـا ولا يوقظ قلبًا. لكنّه، مع ذلك، يلبّي رغبة ”الظهور“ الدّفينة أمام الناس، والتأثير في عقول البسطاء من كبار السنّ والأميّين، الذين يرون في الجلوس في الصفوف الأولى مكانة لا يُفرّط فيها.
إنّ بيوت الله لم تُبنَ لتكون مسارح للخطابة المرتجلة، ولا منصّات لمرض ”حبّ الظهور“. إنّها بيوتٌ للسكون، ومن لم يتعلّم الصمت فيها، فلن يتعلّمه في أي مكان آخر.



إرسال التعليق