عيون الثورة في قلب المستعمر..
في التاريخ الثوري للجزائر، يبرز صنف فريد من المجاهدين، لا يحمل السلاح علنًا ولا يظهر في الجبال، ولا تتردد أسماؤهم كثيرًا في الكتب لأنهم اختاروا طريقًا وعرًا، محفوفًا بالخوف والشكّ وسوء الفهم. إنهم المناضلون الذين خدموا داخل الإدارة أو الجيش الفرنسي ظاهريًا بينما كانوا في الحقيقة عيون الثورة وآذانها.
رجال ونساء انشقّوا عن صمتهم وتحوّلوا إلى شقوقٍ خفيّة في جدران المستعمر تتسرّب عبرها الأسرار والأخبار والوثائق والخطط.
كانوا يسيرون على حدّ السكين ويعيشون بين عالمين متناقضين:
عالم الاحتلال الذي يعملون داخله قسرًا أو اضطرارًا، يكتبون تقارير، يترجمون أوامر، يشاهدون الجنود والأسلحة والخرائط، ويحضرون الاجتماعات التي تُرسم فيها الخطط ضد أبناء جلدتهم.
وعالم الوطن الذي يخدمونه في القلب والسرّ، ففي كل ليلٍ طويل يهرعون فيه إلى الثوار بكل ما جمعوه من معلومات ليمنعوا اعتقالًا، أو يُجهضوا حملة تمشيط، أو يحموا خلية سرية من الانكشاف.
ذلك التناقض لم يكن مجرّد واجب بل ابتلاء أخلاقي وروحي، لأن أولئك المناضلين كانوا أخطر ممّن يحمل السلاح، وأقرب الناس إلى الموت دون أن يشعر بهم أحد،فاكتشافهم يعني موتًا سريعًا، ووصمة خيانة تلتصق بعائلاتهم وأبنائهم مدى الحياة. كانوا يتحركون فوق نارٍ لا تنطفئ و يعيشون في الخوف الدائم من نظرة شبهة أو ورقة ضائعةةأو خطوة خاطئة.
ومن بين هؤلاء يبرز الممثل المبدع محمد شريف آيت حمودة في دور الرشيد بن عمار في مسلسل فاطمة للمخرج الجزائري الكبير جعفر قاسم، حيث جسّد دور الشقيق الأكبر لعلي، ذلك النموذج الذي يجسد المفارقة المؤلمة بين الظاهر والباطن، بين الصورة التي يراها الناس والحقيقة التي لا يعرفها أحد.
كان الرشيد يعمل مترجمًا لدى العسكر الفرنسي، يجلس في مكاتبهم، يترجم أوامرهم، ويُخفي ارتعاشة قلبه كلّما سمع اسمًا من أسماء المناضلين في حديثهم. عاش داخل جحر الأفعى، لكنه ظلّ يحمل وطنه في قلبه، وروحه كانت تُصلّي من أجل الحرية.
الناس رأوه خائنًا.
الأعين تلاحقه.
الألسنة تطعنه.
حتى الأطفال كانوا يتهامسون باسمه في الأزقة.
ولم يرحمه أحد حتى أخوه علي الذي كان يراه خائنًا دون أن يعلم أنه لم يكن يرى سوى السطح، بينما العاصفة كلها كانت تتخبّأ في الأعماق.
الرشيد لم يكن مجرّد مترجم.
كان خيطًا سريًا يصل ما بين أسوار العسكر الفرنسي والقصبة، بين الثورة وحياة الناس، بين ما يُدبَّر في المكاتب وما يُجهّز في الظلام.
كان يمشي بحذر من يعرف أن زلّة واحدة ستجعله جثة بلا قبر أو ذكرى تُدفن في صفحات العار.
كان الرشيد يخاف على أخيه علي الثائر والمتمرّد عن المستعمر أكثر مما يخاف على نفسه.
كان يحرسه من بعيد، يراقب خطواته، يتعقّب من يتربص به، ويُبلغ الشيخ منصور عن الحملات التي تستهدف الوطن
وفي الظاهر كان يُعنّفه أمام الجميع و يوبّخه على تمرّده ويصرخ في وجهه، كي يُبعد عنه الشبهات.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا فقد كان فخورًا به ومعجبًا بشجاعته وخائفًا من خسارته.
وعندما قُبض على علي وسُجن، كان الرشيد هو من حرّره، بعد أن علم أنه ثأر لوالدهما من قاتله، وفي لحظة نادرة بينهما عند الشيخ منصور أدرك علي أن أخاه لم يكن خائنًا كما ظنّ، بل كان الدرع الذي حماه، والظلّ الذي تبعه، والصوت الذي لم يسمعه أحد.
الحديث عن الرشيد ليس مجرد سرد لشخصية واحدة بل هو نافذة تُطلّ على آلاف المناضلين الذين عاشوا التجربة نفسها:
موظف بريد يسرّب الرسائل
جندي بسيط يعطي مفاتيح المراكز للثوار
طباخ في الثكنة يمرّر المعلومات
مترجم يحفظ كل كلمة تُقال في الاجتماعات
ممرض يهرّب الجرحى
حارس يفتح بابًا في الليل ليمرّ منه الوطن
كلّهم عاشوا في الظلال، وكلّهم حملوا الوطن بصمت.
لقد كانوا أساسًا خفيًا لنصر الجزائر، فبدونهم، ما كانت الثورة لتصمد في المدن ولا كانت خلاياها لتبقى حيّة ولا كان الليل ليكون حصنًا للمقاومين.
إن المناضلين الذين عملوا في الخفاء هم أبطالٌ بلا ضجيج، حملوا جبالًا من الخوف، وآلامًا من الاتهامات، ومرارة سوء الفهم.
ضُربوا بالكلمات بدل الرصاص لكنهم ظلّوا واقفين لأنهم كانوا يؤمنون أنّ الوطن أكبر من الصورة وأعمق من الشكّ، وأجمل من الهتاف.
وبين هؤلاء، يظلّ الرشيد مثالًا حيًا على أن البطولة ليست دائمًا في فوهة البندقية بل أحيانًا في قلبٍ يعرف أن الخطر أقرب إليه من أنفاسه ومع ذلك يمضي.
( نوميديا جروفي)



إرسال التعليق