شرف اللباس العسكري .. هل يجوز للضباط الاحتفاظ باللباس بعد مغادرة الخدمة؟
الدكتور لكوص توفيق
في المؤسسات العسكرية حول العالم، لا يُنظر إلى اللباس العسكري (البزة أو البدلة) باعتباره مجرد قطعة قماش تُرتدى لحماية الجسم أو إثبات الهندام، بل هو رمز سيادي وميثاق شرف يختزل تاريخاً من الانضباط، والتضحية، والالتزام بالقانون. وحين يُنهي الضابط—مهما كانت رتبته—رحلته الطويلة في الخدمة الفعلية ويغادر أسوار المؤسسة العسكرية، تبرز على الطاولة واحدة من أكثر المسائل دقة وحساسية في القوانين العسكرية: هل يحق للضابط الاحتفاظ بلباسه العسكري أو ارتدائه بعد التقاعد؟ وما هي الضوابط القانونية الحاكمة لكل رتبة؟
أولاً: سلم الرتب العسكرية وقواعد “إخلاء الطرف”
لكي نفهم تعامل الجيوش مع هذا الملف، يجب إدراك أن الرتب العسكرية تتراتب من الضباط الأجسام (ملازم، ملازم أول، نقيب)، مروراً بضباط الأركان والقادة الميدانيين (رائد، مقدم، عقيد)، وصولاً إلى الضباط القادة الكبار (عميد، لواء، فريق فما فوق).
عند صدور قرار إنهاء الخدمة—سواء بالإحالة على التقاعد النظامي، أو الاستقالة، أو التسريح—تخضع كل هذه الرتب لقواعد إخلاء العهد العسكرية.
- القاعدة الصارمة: يُطالب الضابط بغض النظر عن رتبته بتسليم كافة العهد المرتبطة بعمله الرسمي، بما فيها البدلات الميدانية، والرسمية، واليومية، إلى مخازن الوحدة العسكرية.
- الرمزية السيادية: اللباس العسكري مرتبط حصرياً بـ “الخدمة الفعلية”. وبمجرد زوال الصفة، يسقط الحق القانوني في ارتداء البزة في الشارع أو الأماكن العامة، حماية لهيبة المؤسسة من أي استغلال غير لایق أو انتحال صفة.
ثانياً: استثناءات التشريفات.. متى يُسمح للمتقاعدين بارتداء الزي؟
على الرغم من الحظر المطلق لارتداء الزي العسكري في الحياة اليومية للمتقاعدين، تترك اللوائح العسكرية نافذة ضيقة ومضبوطة بدقة بالغة لصالح المناسبات التشريفية والوطنية الكبرى:
- دعوات المؤسسة العسكرية: تُسمح للضباط المتقاعدين (وخصوصاً ذوي الرتب الرفيعة كالعمداء واللوات والفرقة) بارتداء الزي العسكري حصرياً عند تلقي دعوة رسمية ومكتوبة لحضور الأعياد الوطنية، أو الاحتفالات العسكرية الكبرى، أو مراسم تسليم وتسلّم القيادات داخل الوحدات.
- شروط الهندام: يُشترط على المتقاعد في تلك المناسبات الالتزام التام بالهندام العسكري الذي كان عليه وقت تقاعده (نفس الرتبة، ونفس الأوسمة والنياشين التي استحقها طوال مسيرته، ودون أي تعديلات حديثة أو مبالغات).
ثالثاً: هيبة البزة.. لماذا تشدد الجيوش قوانينها؟
تفرض قوانين الجيوش عقوبات صارمة للغاية (تصل أحياناً إلى الملاحقة القضائية العسكرية والمدنية) على كل من يرتدي الزي العسكري بغير حق أو بعد مغادرة الخدمة خارج الأطر المسموحة. والسبب في ذلك استراتيجي وأمني بحت:
- منع التلاعب: حماية الهوية العسكرية من السقوط في أيدي أشخاص قد يستغلون هيبة البزة لأغراض الاحتيال أو الإضرار بالأمن القومي.
- صون القداسة الرمزية: البزة العسكرية تُمثل الدولة وسلاحها في ميدان الشرف، وتحويلها إلى ملابس عادية يفقَدها هيبتها ورمزيتها المقدسة في وجدان المجتمع.
الزي العسكري هو أمانة يُطوق بها عنق الضابط منذ يومه الأول في الكلية العسكرية وحتى ترجله عن صهوة الخدمة. وحين ينتهي المشوار، فإن الاحتفاظ بالبدلة لا يكون بامتلاكها مادياً في خزانة البيت، بل بالاحتفاظ بشرفها، ونزاهتها، والقيم العليا التي تمثلها، لتظل رمزاَ خالداً لطاعة الواجب والانتماء للوطن حتى آخر الأنفاس!



إرسال التعليق