تراجع الدور الوطني التحرري للأحزاب الفلسطينية؟

إبراهيم ابراش
بدايةً، يجب القول إنَّ كلَّ الأحزاب الفلسطينية وصلت إلى شبه طريق مسدود
من حيث مقارنة أهدافها ومنطلقاتها الأولى بما وصلت إليه اليوم، وجزء من
هذا المصير يعود للاختلال الكبير في موازين القوى لصالح إسرائيل المدعومة
بواشنطن وغالبية دول الغرب في مقابل بقاء الفلسطينيين وحيدين تقريبا في
مواجهة هذا التحالف المعادي بعد انهيار وتفكك الحلفاء التقليديين من
معسكر اشتراكي وعالم عربي وإسلامي بل تطبيع كثير من هذه الدول مع إسرائيل
.
هذا لا يعفي الأحزاب من المسؤولية لأن هذه الأحزاب والفضائل كانت تعلم
باختلال موازين القوى مع العدو ولصالحه عندما انطلقت وبالتالي لا يجوز
لها تبرير قصورها وفشلها باختلال موازين القوى أو أن الأمة العربية
والإسلامية خذلتها، كما أن الخلل والفشل لا يقتصر على مواجهة العدو
ولكنها فشلت في إدارة وتدبير الأوضاع الداخلية وهو الخلل الذي جعلها
ضعيفة في مواجهة العدو الخارجي وفي تحصين القضية الوطنية من التدخلات
الخارجية، .
 كل الأحزاب فقدت جزءاً كبيراً من مصداقيتها؛ إذ لم يعد هناك فرقٌ بين
أحزاب السلطة وأحزاب المقاومة عندما تحولت هذه الأـخيرة بدورها إلى حزب
سلطة أو تسعى للسلطة، ولا بين أحزاب وتيارات وطنية وأخرى يسارية وثالثة
(إسلامية) عندما شكلت أحزاب من هذه الإيديولوجيات تحالفا للمشاركة في
الانتخابات التي تم تأجيلها. فقد انكشفت وانهارت كل هذه الأيديولوجيات –
وخصوصاً الإسلامية – ولم يعد ما يربطها بالجمهور الفكرُ أو البرنامج
السياسي، بل ما تقدمه من مساعدات ورواتب مصدرها خارجي، وهي بمثابة رشوة
جماعية لكسب الولاء.
كان أخطر هذه الأحزاب هي التي تشكلت خارج الإطار الوطني وكانت مرجعيتها
خارجية وناصبت منظمة التحرير الفلسطينية العداء منذ اليوم الأول لظهورها
وكانت سببا في إضعاف السلطة الفلسطينية ثم في إحداث الانقسام ،وتحديدا
حركة حماس التي عملت لصالح مشروع جماعة الإخوان المسلمين ثم لصالح أجندة
إيران الإقليمية وآل بها الأمر لتجلب لقطاع غزة وكل القضية الوطنية الموت
والدمار بطوفانها الملتبس الذي تسبب بحرب الإبادة والتطهير العرقي
بالإضافة إلى أنها ساعدت على تشظي الهوية الوطنية وتقسيم المجتمع ما بين
مؤمن وكافر وخائن ووطني .
ما ساعد الأحزاب على البقاء في المشهد أن الساحة الفلسطينية لم تفرز أي
أحزاب جديدة تنطلق من القاعدة الشعبية وتحمل برنامجاً وطنياً مستقلاً تحل
محل القديمة أو تشاركها أو تنافسها، باستثناء بعض المحاولات من رجال
أعمال وبقايا جماعات (الأنجزة)، معتمدين على قدراتهم المالية وربما على
مساندة خارجية، وهذه ارتبطت بالإعلان عن إجراء الانتخابات التشريعية في
نوفمبر القادم وأعتقد أنها ستتلاشى بعد الإعلان عن تأجيل الانتخابات .
هذا الموات للحياة السياسية الحزبية هو الذي سمح للأطراف الخارجية، من
دول وجماعات الإسلام السياسي، أن تتدخل بقوة في الشأن الفلسطيني ومناصرة
حزب أو جماعة على حساب الجماعات الأخرى، وخصوصاً في مواجهة منظمة
التحرير؛ تارة بحجة تقديم المساعدات والدعم الإنساني، وتارة أخرى باسم
دعم المقاومة، وثالثة باسم الواجب الديني، مما جعل الساحة الفلسطينية
وكأنها ميدان للحرب بالوكالة.
وبالنسبة لجميع الأحزاب، سواء القديمة أو المستحدثة، لم تعد تتنافس
لإثبات الجدارة في مواجهة الاحتلال، بل تتنافس وتتصارع على بقايا سلطة
تحت الاحتلال. ومع ذلك فمصير الشعوب لا يرتهن بالأحزاب ومصيرها فهذه مجرد
أدرات تفرزها ظروف تاريخية معينة  بل بعدالة القضية الوطنية وصمود الشعب
وقدرته على إنتاج أحزاب ونخب سياسية جديدة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك