أميّة الأخلاق في زمن الشهادات!
أميّة الأخلاق في زمن الشهادات!
رشيد مصباح (فوزي)
–
من يكرهك، لسبب أو من دونه، لن يحتاج إلى كثير من الجهد كي يجد في تصرّفاتك هفوةً يضعها تحت المجهر، ويضخّمها حتى تبدو وكأنها تختزل شخصيتك كلها. فالكمال لله، والعصمة لأنبيائه، ولا أحد من البشر يخلو من النقص أو الخطأ. لكن المشكلة ليست في وجود الهفوات، بل في العيون التي تتصيّدها، وفي المعايير التي تتبدّل بحسب المصالح والأهواء.
فبعض الناس لا تعنيهم نزاهتك بقدر ما يعنيهم مدى توافقك مع رغباتهم، ولا تهمّهم كفاءتك بقدر ما يهمّهم ولاؤك لهم، حتى لو اقتضى ذلك أن تجاملهم على حساب مبادئك، أو أن تصمت حين يكون الكلام واجبًا، أو أن تساير الباطل تجنّبًا لإغضابهم.
المؤسف أن هذه العقلية لم تعد حكرًا على الجهلاء، بل امتدّت إلى بعض المحسوبين على النخبة المثقفة.
تصادفتُ اليوم مع أحد المعارف في أحد الدكاكين. لم يسلّم على أحد، وارتسم على وجهه عبوس شديد بمجرّد أن رآني، وبدا كأنه يحاول تجاهلي وإخفاء غضبه، غير أن سلوكه كان أبلغ من أي كلام. والسبب، على ما يبدو، أنني كتبتُ رأيًا لم يوافق هواه.
قد تبدو الواقعة بسيطة، ولا تستحق الوقوف عندها طويلًـا، لولا أنها تطرح سؤالّـا أكبر وأعمق، وهو:
كيف يعجز شخص يُفترض أنه تلقّى قدرًا من التعليم واكتسب شيئًا من الثقافة عن الفصل بين الاختلاف في الرأي والعلاقة الإنسانية؟
إنه شكل من أشكال الذاتية المفرطة، أو ما نسمّيه بالفرنسية «Trop subjectif»؛ حين تصبح الأهواء الشخصية أقوى من القدرة على الإنصاف، ويُقاس الآخر بمدى موافقته لنا، لا بمدى وجاهة ما يقول أو نزاهة ما يفعل.
وهنا تكمن المفارقة: أن يعرف الإنسان أهمية الأخلاق نظريًا، وأن يعجز عن الالتزام بها عمليًا. فقد يحسن المرء الحديث عن التسامح والحوار واحترام الرأي الآخر، لكنه يتخلّى عن كل ذلك عند أول اختلاف يمسّ قناعاته أو يخالف مصالحه.
فما قيمة الثقافة إذا لم توسّع أفق صاحبها؟
وما جدوى التعليم إذا لم يساعده على تجاوز أهوائه والتحرّر من نزواته؟
لقد أصبحنا نلاحظ، مع الأسف، تراجعًا في مستوى التعامل بين الناس، حتى بات من الصعب أحيانًا أن نلمس فرقًا واضحًا بين سلوك بعض المتعلّمين وسلوك من لم تتح لهم فرص التعليم. ولا يعني ذلك أن الجهلاء جميعًا سيئو الأخلاق، أو أن المتعلمين جميعًا يفتقرون إليها؛ فالأخلاق لا تحتكرها فئة، كما أن سوء السلوك لا يقتصر على فئة أخرى. لكن ما يبعث على الأسف حقًا هو أن تصدر التصرفات نفسها عمّن يُفترض أنهم أقدر على إدراك قبحها وعواقبها.
لقد علّمتنا التجربة أن الشهادات العليا والألقاب العلمية لا تمنح أصحابها صكًّا في النزاهة.. فهناك من يملك رصيدًا معرفيًا معتبرًا، لكنه يفتقر إلى أبسط قواعد الإنصاف؛ ومن يتحدّث بلغة المثقفين، لكنه يتصرّف عند الاختلاف بمنطق التعصّب.
ولعلّ هذا ما يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الثقافة نفسه. فالثقافة ليست حشدًا للمعلومات، ولا إتقانًا للمصطلحات، ولا شهادة تُعلّق على جدار الاستحقاقات؛ إنها، قبل كل شيء، قدرة على التفكير المّتزن، ومراجعة الذات، واحترام الآخر. أما العلم الذي لا يرافقه قدر من التواضع الأخلاقي، فقد يزيد صاحبه معرفة دون أن يزيده حكمة ونزاهة.
ويحضرني هنا بيت الشاعر المصري الكبير حافظ إبراهيم من قصيدته «العلم والأخلاق»:
لا تَحسَبَنَّ العلمَ ينفعُ وحدَهُ
ما لم يُتوَّجْ ربُّهُ بخلاقِ
بيت يلخّص، في كلمات قليلة، حقيقة كثيرًا ما نغفل عنها: أن المعرفة وحدها لا تكفي لبناء الإنسان، وأن قيمة ما نتعلّمه لا تظهر في قدرتنا على الاستشهاد به فحسب، بل في أثره على تصرّفاتنا ومواقفنا وعلاقاتنا بالآخرين.
فما فائدة الشهادة العليا إذا كان صاحبها لا يحسن التعامل مع من يخالفه؟
وما قيمة المكانة الاجتماعية إذا كان الإنسان يجعل من مزاجه الشخصي مقياسًا لاحترام الآخرين؟
وأيّ معنى للثقافة إذا لم تمنح صاحبها القدرة على الاختلاف دون خصومة، والنقد دون حقد، والاعتراف للآخر بحقه في التفكير والتعبير؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ليس انتشار الجهل وحده، بل أن يصبح الجهل الأخلاقي قادرًا على الاختباء خلف الشهادات والألقاب والمظاهر الثقافية.
فالعلم قد يرفع مستوى المعرفة، لكنه لا يضمن وحده سموّ السلوك. وتلك هي المسافة التي ينبغي أن نعمل على تقليصها:
فالثقافة الحقيقية لا تُقاس بما يحمله المرء من شهادات، ولا بما يحفظه من أقوال، بل بما يبقى من نزاهته عندما لا تسير الأمور على هواه.



إرسال التعليق