جغرافيا الخراب وإرادة البقاء: قراءة في أبعاد الصراع في فلسطين
عثمان أمجد
حين تندلع الحرائق الكبرى وتتطاير شظايا الدمار فوق الرءوس، تتباين زوايا النظر وتتصارع التفسيرات. ففي المشهد الدامي المستمر، تنقسم الأصوات وتتباين الاتهامات حول المسؤولية التاريخية عما آلت إليه الأوضاع. هناك قطاعات واسعة، غاضبة ومفجوعة بحجم الخراب، تحمل فصائل المقاومة وزر هذه الحرب الكارثية وتبعاتها المدمرة على الحجر والبشر. وفي المقابل، يبرز المشهد الإقليمي المعقد، حيث تقف أطراف إقليمية — كانت تعاني من أزماتها العميقة قبل المعارك — لتعلن صراحة اليوم، وبعد كل ما تتعرض له وبسببه، عن فخرها واعتزازها بما صنعته سواعد الأبطال في الميدان. فبين ألم الضحية، ورهانات المحاور في الإقليم، تتكشف تعقيدات الصراع وأثمان الكبرياء السياسي.
أولاً: منطق العتاب.. من يتحمل مسؤولية الدمار؟
من الطبيعي جداً، وسط مشاهد الركام والمقابر الجماعية وفقدان الأحبة، أن يرتفع صوت العقل الواقعي متسائلاً بمرارة: هل كان حساب التكلفة الاستراتيجية مدروساً بما يكفي؟ يرى المنتقدون والمعاتبون أن حجم الدمار الهائل في البنية التحتية، وعدد الضحايا المدنيين غير المسبوق، والتجويع والتهجير، هو ثمن باهظ جداً لا يوازيه أي مكسب سياسي فوري.
- اختلال موازين القوة: يجادل هذا التيار بأن الدخول في مواجهة مفتوحة ومفرطة القسوة مع آلة حرب مدعومة غربياً مطلقاً، دون توفير شبكة أمان كافية أو ضمانات حماية حقيقية للمدنيين، يعد مغامرة غير محسوبة النتائج.
- العبء الإنساني: تتركز هذه الانتقادات حول حقيقة أن الفاتورة الأقسى دفعها الإنسان البسيط الذي يحاول فقط النجاة بيومه، مما يخلق شرخاً شعورياً بين حجم التضحيات الضخمة وبين الأفق السياسي المجهول.
ثانياً: حسابات المحاور.. المكاسب الاستراتيجية وسط الرماد
على الجانب الآخر من الطاولة، يقف المشهد الإقليمي ليقدم قراءة مختلفة تماماً. فقبل الانفجار الكبير، كانت عواصم عدة ترزح تحت وطأة اختناق اقتصادي خانق، واحتجاجات داخلية عارمة، واختراقات أمنية متكررة في عمقها الاستراتيجي. لكن حسابات التحرك نحو المستقبل جاءت مختلفة:
- إعادة إحياء القضية: نجحت طفرة المواجهة في إعادة تصدر قضايا التحرر للواجهة الدولية بعد أن كادت تُمحى عبر مسارات التطبيع الإقليمي.
- الافتخار وسط الركام: اليوم، وعلى الرغم من كل الضغوط والتكلفة التي تعرضت لها شبكة الحلفاء في الإقليم وبسبب المعركة نفسها، تصر تلك الأطراف على تبني الإنجاز العسكري للمقاومة والافتخار به. فبالنسبة لها، يمثل هذا الصمود ثغرة استراتيجية كبرى في جدار الهيمنة، بغض النظر عن الأثمان البشرية الباهظة.
ثالثاً: المفارقة المؤلمة.. من يدفع الفاتورة ومن يجني الثمار؟
هنا تكمن المأساة الكبرى والمعضلة الأخلاقية والسياسية في الصراع المعاصر: أن من يحتمل وزر الدمار ويدفع دماء أبنائه وحرارة بيوته هو الشعب وحده في الميدان، بينما تتحرك الأجندات الإقليمية لتوظيف هذه التضحيات في موازين نفوذها الواسعة.
- انطلقت المقاومة من دافع وطني محْض، هادفاً لكسر الحصار المزمن، وتغيير قواعد اللعبة، وتحرير الأسرى، وإعادة القضية إلى صدارة الاهتمام العالمي.
- لكن استثمار هذا الصمود تحول سريعاً إلى جزء من صراع إقليمي أوسع، تتقاطع فيه الحسابات مع طموحات إعادة رسم خرائط النفوذ.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال الملحمة في خانة “المغامرة المتهورة”، كما لا يمكن تبرير الدمار الشامل باسم “الانتصار المطلق”. إن الحقيقة تقبع دائماً في تلك المنطقة الرمادية المؤلمة؛ حيث يسطر المقاتلون ملاحم أسطورية في البسالة والرفض المطلق للذل، بينما يدفع الأهالي من لحمهم الحي ثمن صمت عالمي وعجز إقليمي. وبين من يحملون المقاومة وزر الخراب، ومن يفتخرون بالمعركة من على بُعد آلاف الأميال، تظل دماء الضحايا وحدها هي الشاهد الأصدق على قسوة التاريخ وصعوبة المخاض نحو الحرية.



إرسال التعليق