مأزق نتنياهو مع ترامب.. الصدام بين عقيدة البقاء و منطق الصفقات

في المشهد السياسي المعقد بالشرق الأوسط، طالما اعُتبر بنيامين نتنياهو عازفاً ماهراً على أوتار التوازنات الداخلية في واشنطن. لكن العلاقة الوثيقة التي جمعته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب – والتي بدا ظاهرها في كثير من المحطات كشراكة حديدية وتوافق استراتيجي مطلق – تخفي في طياتها مأزقاً استراتيجياً وسياسياً حقيقياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي.

إن فحص الدوافع والمواقف لكلا الرجلين يكشف عن تبايَنات جوهرية في الرؤية والتكتيك؛ فالأمر يتعدى مجرد التغميزات الإعلامية والتصريحات الصاخبة، ليرتطم بحقيقة واضحة: نتنياهو يقاتل من أجل بقائه السياسي وأجندته الأمنية، بينما يدير ترامب العالم بمنطق الصفقات السريعة وحسابات الرأي العام الأمريكي.

أولاً: صراع الأولويات.. حرب مفتوحة أم “صانع صفقات”؟

يتجلى الخلل الأول في معادلة ترامب-نتنياهو في اختلاف الفلسفة والهدف العام لكل منهما:

  • عقيدة نتنياهو (إدامة الصراع للبقاء): يعتمد نتنياهو على إبقاء الملفات الأمنية مشتعلة والحروب مفتوحة لضمان تماسك ائتلافه اليميني المتطرف، وتأجيل كشوفات الحساب والتحقيقات القضائية والسياسية التي تلاحقه. بالنسبة لنتنياهو، فإن الهدوء أو التسويات الشاملة قد تعني النهاية المبكرة لمستقبله السياسي.
  • نهج ترامب (حسم الصفقات والهروب من الأزمات): على الجانب الآخر، يرغب ترامب دائماً في تقديم نفسه كـ “رجل سلام وصانع صفقات تاريخية” ينهي الصراعات ولا ينجر إلى حروب استنزاف طويلة. يفضل ترامب الحسم السريع وإعلان “النصر” لخدمة أجندته الداخلية، ولا يتردد في الضغط لإنهاء التصعيد حين يرى أنه يهدد أولوياته أو يتضارب مع الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية.

هذا التباين يضع نتنياهو في مأزق حقيقي؛ فكلما حاول توسيع رقعة المواجهة أو المماطلة في أمد الصراع، تصطدم حساباته برغبة ترامب الحازمة في عدم الانجرار خلف “حروب الآخرين”.

ثانياً: فخ الدعم المطلق والحصار التكتيكي

قد يرى البعض في دعم ترامب العلني لنتنياهو في المحطات الانتخابية طوق نجاة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، لكن هذا الدعم نفسه يحمل في طياته سلاحاً ذا حدين:

  1. التبعية وسلب هامش المناورة: هيمنة ترامب الشديدة وحضوره الطاغي يسلبان نتنياهو قدرته التاريخية على الابتزاز التكتيكي داخل الإدارة الأمريكية. فحين يتدخل ترامب بتوجيهات أو شروط مباشرة، يصبح من الصعب جداً على نتنياهو التمرد دون التضحية بالغطاء الأمريكي الاستراتيجي.
  2. ضغط القاعدة الترامبية (MAGA): داخل التيار اليميني الأمريكي المحافظ، هناك صوت متزايد يرفض تقديم الدعم المالي والعسكري المفتوح لإسرائيل دون سقف، ويرى في الحروب المستمرة بالشرق الأوسط استنزافاً لتوجهات “أمريكا أولاً”. هذا التحول الثقافي والسياسي يحد من المساحة التي كان نتنياهو يتحرك فيها بحرية سابقة في واشنطن.

ثالثاً: تناقض الحسابات الميدانية أمام صدمات الواقع

حين تشتد الأزمات ويحاول نتنياهو فرض إيقاعه عبر الضربات التصعيدية، تصطدم رغبته بالغضب الترامبي عندما تتعارض تلك الضربات مع التوقيت السياسي لواشنطن. إن توجيه الانتقادات أو اشتراط التهدئة يربك حسابات الائتلاف الحاكم في تل أبيب؛ حيث يجد نتنياهو نفسه بين فكي قماش:

  • يمين متطرف داخي (أمثال بن غفير وسموتريتش) يهدد بإسقاط الحكومات إن تم الانصياع للضغوط الدولية أو وقف التصعيد.
  • حليف أمريكي نافذ لا يتحمل تكتيكات المماطلة ويطالب بإنهاء الملفات والالتزام بالرؤية الأمريكية الإقليمية.

ختاماً.. مرآة الحقيقة لزعيم محاصر

إن مأزق نتنياهو الحقيقي مع ترامب يتلخص في أن الأول يتعامل مع العلاقة كمسرح لحماية سدة حكمه وشخصه، بينما يتعامل الثاني مع العلاقات الدولية بوصفها نفوذاً ومصالح براغماتية بحتة يُمكن إعادة صياغتها أو تعديلها في أي لحظة.

قد ينجح نتنياهو في مناوراته على المدى القريب من خلال استغلال لغة الشراكة والخطابات الحماسية، لكنه يظل يدرك في قرارة نفسه أنه يسير على حبل مشدود؛ فالحليف الذي يمنح الغطاء والسند بلا حدود ظاهرياً، هو ذاته الحليف الذي لن يتردد في فرض شروطه أو رفعه للغطاء فور تقاطع المصالح وتصادم الأولويات!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك